
يشهد قطاع الفضاء التجاري العالمي مرحلة جديدة من المنافسة، مع دخول شركات أوروبية ناشئة تسعى إلى تحدي الهيمنة الأميركية التي تقودها شركات مثل «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك.
وفي هذا السياق، تجري شركة (The Exploration Company) الأوروبية محادثات متقدمة لجمع تمويل جديد بقيمة لا تقل عن 300 مليون دولار، في جولة قد ترفع تقييمها إلى أكثر من ملياري دولار، ما يعكس تصاعد اهتمام المستثمرين بصناعة الفضاء باعتبارها أحد أهم القطاعات الاقتصادية المستقبلية.
تأسست شركة The Exploration Company (TEC) عام 2021، وتهدف إلى تطوير مركبات فضائية قابلة لإعادة الاستخدام يمكنها نقل البضائع وربما البشر مستقبلاً إلى المدار الأرضي المنخفض ومحطة الفضاء الدولية.
وتعمل الشركة على تطوير عائلة مركبات فضائية تحمل اسم (Nyx)، إضافة إلى محرك صاروخي جديد يحمل اسم Storm، في محاولة لبناء منظومة فضائية أوروبية قادرة على تقليل الاعتماد على الشركات الأميركية في عمليات النقل الفضائي.
وتقارن الشركة طموحاتها بمسار «سبيس إكس»، التي نجحت خلال السنوات الماضية في تحويل إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية إلى سوق تجارية ضخمة، بفضل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام وخدمات الإنترنت الفضائي عبر شبكة ستارلينك.
تجري (The Exploration Company) مفاوضات لجمع ما لا يقل عن 300 مليون دولار من المستثمرين، وهي خطوة قد تمنحها قيمة سوقية تتجاوز ملياري دولار.
ويُنظر إلى صندوق (Scaleup Europe Fund) الذي تديره شركة الاستثمار السويدية (EQT) والمدعوم من المفوضية الأوروبية، باعتباره أحد المستثمرين المحتملين في الجولة الجديدة.
وكانت الشركة قد جمعت سابقاً نحو 160 مليون دولار عام 2024، وحصلت على دعم من مستثمرين بارزين في قطاع التكنولوجيا، من بينهم (Balderton) ،(Bessemer) ،(Cherry) ،(Plural) و(Partech).
يمثل صعود (The Exploration Company) جزءاً من استراتيجية أوروبية أوسع تهدف إلى بناء استقلالية في قطاع الفضاء، خصوصاً مع تزايد أهمية الأقمار الصناعية والاتصالات المدارية للأمن والاقتصاد.
لطالما اعتمدت أوروبا على شركات ومؤسسات خارجية في بعض خدمات الإطلاق والنقل الفضائي، بينما تمكنت سبيس إكس من السيطرة على جزء كبير من السوق العالمية بفضل انخفاض تكلفة الإطلاق وسرعة تطوير التكنولوجيا.
ولهذا تسعى بروكسل إلى دعم شركات محلية قادرة على المنافسة، ليس فقط تجارياً، بل أيضاً من الناحية الاستراتيجية، خصوصاً في مجالات الاتصالات الآمنة والمراقبة والبنية التحتية المدارية.
يعكس التمويل المتوقع للشركة تحولاً مهماً في نظرة المستثمرين إلى قطاع الفضاء. فلم يعد هذا المجال مقتصراً على الحكومات ووكالات الفضاء، بل أصبح سوقاً تجارياً يشمل خدمات الإنترنت، نقل الأقمار الصناعية، البيانات الفضائية، والدفاع.
وقد ساهم نجاح «سبيس إكس» في جذب اهتمام المستثمرين العالميين إلى شركات فضائية جديدة، حيث شهد قطاع الشركات الناشئة الفضائية ارتفاعاً كبيراً في التمويلات خلال الفترة الأخيرة، مع توجه المستثمرين نحو مشاريع البنية التحتية المدارية وتقنيات الإطلاق الجديدة.
رغم التوقعات الإيجابية، تواجه (The Exploration Company) تحديات كبيرة. فمنافسة سبيس إكس تتطلب استثمارات ضخمة، وخبرة تقنية طويلة، وقدرة على تنفيذ عمليات إطلاق ناجحة بشكل متكرر.
كما أن سوق الفضاء يتميز بارتفاع تكاليف التطوير وطول دورات الإنتاج، حيث تحتاج الشركات إلى سنوات قبل الوصول إلى إيرادات تجارية مستقرة.
إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحدي التنسيق بين الدول المختلفة، إذ تعتمد صناعة الفضاء الأوروبية على تعاون حكومات ومؤسسات متعددة، بينما تعمل شركات أميركية مثل سبيس إكس ضمن منظومة أكثر تكاملاً وسرعة في اتخاذ القرار.
يمكن أن تصبح (The Exploration Company) واحدة من أبرز الشركات الأوروبية في سباق الفضاء الجديد إذا نجحت في تطوير مركبات قابلة لإعادة الاستخدام وتحقيق عمليات تجارية منتظمة.
لكن نجاحها لن يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل أيضاً على قدرتها على جذب مزيد من رؤوس الأموال، وبناء شراكات دولية، وتحويل الدعم السياسي الأوروبي إلى نموذج أعمال مربح.
ومع استمرار توسع اقتصاد الفضاء، يبدو أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين الدول، بل بين شركات خاصة قادرة على تغيير شكل الصناعة العالمية، تماماً كما فعلت سبيس إكس خلال العقد الماضي.