
في خطوة قضائية تاريخية، ألغت المحكمة العليا الأميركية برنامج الرسوم الجمركية العالمية الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرةً أن فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق من دون تفويض واضح من الكونغرس يتجاوز صلاحيات الرئيس.
هذا القرار أثار صدى واسعاً في الأسواق الأميركية والعالمية، خصوصاً بالنسبة لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل «أبل» وقطاع الهواتف الذكية، فقد كان يُتوقع أن تؤدي الرسوم إلى ارتفاع كبير في أسعار الأجهزة المستوردة مثل «آيفون».
الحكم، الصادر في القضية المعروفة باسم Learning Resources, Inc. v. Trump، ينص على أن الرئيس لا يملك الحقّ في فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق استناداً إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977؛ لأن هذا القانون لا يمنحه صلاحية فرض ضرائب ورسوم جمركية من دون تفويض واضح من الكونغرس الأميركي.
يُعد هذا الحكم أحد القرارات القليلة في تاريخ المحكمة العليا التي تُدين سياسة اقتصادية كبرى نفَّذها الرئيس، خاصة عندما يتعلق الأمر بصلاحيات تنفيذية واسعة خارج نطاق التفويض التشريعي.
فرض ترامب منذ نهاية 2024 وبداية 2025 رسوماً جمركية على واردات من عدد كبير من الدول، بما يشمل سلعاً من الصين، كندا، المكسيك، وغيرها، بحجة "معالجة العجز التجاري وتحسين الأمن القومي".
كانت هذه الرسوم تشمل أيضاً سلعاً من شركات تكنولوجية كبرى مثل شركة «أبل» خاصة هواتف «آيفون» المصنعة في الخارج. وقد أثارت هذه الرسوم صدمة في الأسواق، إذ تضمنت رسوم 25% أو أكثر على هواتف آيفون المستوردة من مصانع في الهند والصين، ما أثار مخاوف من ارتفاع أسعار هذه الأجهزة في سوق الولايات المتحدة.
كما سرت توقعات بأن ارتفاع الرسوم يمكن أن يرفع سعر بعض أجهزة «آيفون» إلى مستويات تفوق 3500 دولار لو تم تصنيعها بالكامل في الولايات المتحدة، بحسب تحليلات سابقة.
وكانت هذه الخطوات جزءاً من الحرب التجارية التي قادها ترامب للحدّ من الواردات ودفع الشركات نحو التصنيع داخل الولايات المتحدة، لكنه اصطدم الآن بحدود صلاحياته القانونية.
لم يخلُ الحكم من انقسام. فبينما أيد 6 قضاة القرار، رأى 3 قضاة محافظين في الرأي المخالف أن الرئيس لديه السلطة القانونية لفرض هذه الرسوم، مؤكدين أن القانون نفسه والقرارات السابقة تعطي صلاحيات واسعة للرئاسة عند مواجهة حالات طوارئ.
لكن الأغلبية بقيادة رئيس المحكمة العليا جون روبرتس أكدت أن فرض رسوم جمركية يُعدّ نوعًا من الضرائب التي يجب أن يمنحها الكونغرس وحده وفق الدستور الأميركي.
أدى قرار المحكمة فوراً إلى تراجع بعض المخاوف الاقتصادية لدى المستثمرين، فقد سجلت مؤشرات الأسهم الأميركية ارتفاعاً بعد الإعلان عن الحكم، بالتزامن مع تراجع الدولار الأميركي.
كما من المتوقع أن تتراجع تكلفة السلع المستوردة تدريجياً في سوق الولايات المتحدة، بعد أن تباطأت وتيرة ارتفاع الأسعار التي شهدتها في ظل الرسوم السابقة، خاصة في الإلكترونيات والمنتجات الاستهلاكية.
ردا على القرار، أعلن ترامب أنه سيلجأ إلى فرض رسوم عالمية جديدة بنسبة 10% بطرق قانونية بديلة، مستعيناً بقوانين أخرى غير قانون الطوارئ الاقتصادي. هذا يعكس استمرار الصراع بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية حول نطاق صلاحيات الرئيس في السياسة التجارية.
يشكل هذا القرار تحولاً مهمّاً في تاريخ السياسة الاقتصادية الأميركية، إذ يعرّف حدود صلاحيات الرئيس في فرض تعريفات جمركية ويحافظ على دور الكونغرس كمصدر رئيسي للسلطة الضريبية والتجارية. كما يعكس تأثير القضاء في السياسات التنفيذية، ويؤكد أن القوانين الدستورية والتشريعية لا يمكن تجاوزها حتى في قضايا الاقتصاد والتجارة.