اليورو يدفع ثمن السياسة
السندات ترفع تكلفة الأزمة

دخلت فرنسا مواجهة جديدة بين الموازنة والسياسة بعد طرح حكومة سيباستيان لوكورنو خطة 2027 التي تستهدف وفورات وإيرادات بنحو 54 مليار يورو، في برلمان منقسم قبل انتخابات الرئاسة المقبلة.
وتستهدف الحكومة خفض العجز من 5.4% من الناتج المحلي في 2026 إلى 5% خلال 2027، عبر تجميد بعض النفقات وزيادات ضريبية وإجراءات للمعاشات والصحة، وسط اعتراضات سياسية واجتماعية.
ولو أسقطت معركة الموازنة حكومة لوكورنو، فستكون ثالث حكومة تسقط على خلفية صراع الموازنة منذ انتخابات 2024، بعد حكومتي ميشيل بارنييه وفرانسوا بايرو خلال الأزمة السياسية الممتدة.
يرى محللو «آي إن جي» أن حزمة 2027 قد تمنع العجز من الارتفاع إلى نحو 6.5% من الناتج، لكنها لا تكفي لتثبيت الدين العام، ما يبقي أوراق فرنسا المالية تحت ضغط خلال الفترة المقبلة.
ويتوقع البنك ارتفاع الدين الفرنسي من نحو 119% من الناتج في منتصف 2026 إلى 121.7% خلال 2027 حتى مع تنفيذ الخطة، بينما ترتفع مدفوعات الفائدة إلى نحو 91 مليار يورو سنوياً.
كما يربط «آي إن جي» أي تحسن مستدام بقدرة الحكومة على تمرير إجراءات مالية موثوقة في البرلمان، معتبراً أن الانقسام السياسي يجعل مسار ضبط الدين والعجز أكثر صعوبة قبل انتخابات 2027.
قال كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «جيفريز» موهيت كومار إن موجة البيع في السندات الفرنسية تعكس «إضراباً من المشترين»، مع تراجع شهية مستثمرين آسيويين كانوا من كبار حائزي الدين الفرنسي.
كومار يرى أن المستثمرين يشككون في قدرة حكومة لوكورنو على تنفيذ التخفيضات المطلوبة وسط الجمود السياسي، في وقت تخطط فيه فرنسا لإصدار قياسي من الديون بنحو 340 مليار يورو خلال 2027.
كذلك ترى «موديز» أن الانقسام السياسي يهدد تمرير الموازنة وتنفيذ خفض العجز، فيما أبقت تصنيف فرنسا عند Aa3 مع نظرة سلبية قبل مراجعة مقررة للتصنيف الائتماني في 23 أكتوبر الجاري.
يعتبر محللو «سيتي غروب» أن الفارق العادل بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات يدور قرب 50 نقطة أساس، مقابل مستويات تجاوزت 150 نقطة أساس في السوق خلال الأسبوع الماضي.
ويربط البنك اتساع الفارق بارتفاع علاوة المخاطر السياسية والمالية على الدين الفرنسي، بعدما زاد طلب المستثمرين على تعويض أكبر لحيازته مقارنة بالسندات الألمانية داخل منطقة اليورو.
قال استراتيجي العملات لدى «يو بي إس» رينوت دي بوك إن مخاطر التضخم وعدم اليقين السياسي وارتفاع علاوة الأجل تقف وراء اتساع الفارق، وتضيف ضغوطاً متزامنة على السندات واليورو.
يرى محللو «آي إن جي» أن أسواق السندات الأوروبية أظهرت أولى علامات انتقال الضغوط بعد تقديم الموازنة الفرنسية، مع اتساع فروق العوائد وامتداد القلق إلى إيطاليا وإسبانيا بصورة أوضح.
وقال البنك إن استمرار العدوى قد يضع البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة أصعب، إذ إن تشديد الأوضاع المالية قد يدفعه إلى لهجة أقل تشدداً رغم استمرار الضغوط التضخمية داخل منطقة اليورو.
الاقتصادية لدى «يو أو بي» لي سو آن تعتبر أن اتساع الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية يشدد الأوضاع المالية في منطقة اليورو، ويزيد حساسية اليورو لأي تصعيد جديد في أزمة الدين الفرنسية.
يعتبر رئيس أبحاث العملات لدى «آي إن جي» كريس تيرنر أن أزمة السندات الفرنسية أصبحت عاملاً مباشراً في ضعف اليورو، بعدما أدى اتساع فروق العوائد إلى زيادة علاوة المخاطر على العملة الموحدة.
وقال محللو «أو سي بي سي» إن استمرار تقلبات الفائدة والديون الأوروبية سيبقي اليورو والعملات الدورية تحت الضغط، بينما تستفيد العملات الدفاعية من انتقال المستثمرين إلى الملاذات التقليدية.
يرى «دانسكي بنك» أن المخاطر المالية والسياسية في فرنسا تضيف ضغطاً مستقلاً على اليورو، بينما يزيد اتساع فروق العوائد من صعوبة تعافي العملة قبل اتضاح مسار الموازنة والانتخابات.
يرى كبير استراتيجيي الاستثمار لدى «دويتشه بنك» وولف كيسكر أن فارق العائد بين السندات الفرنسية والألمانية سيظل مرتفعاً ومتقلباً على المدى القريب، حتى لو كانت المخاطر الحالية قد سُعرت بدرجة كبيرة.
ويعتبر كبير الاقتصاديين لدى «بي إن بي باريبا» ستيفان كولياك أن موازنة 2027 ليست سوى الخطوة الأولى في مسار طويل، لأن الدين سيواصل الارتفاع إلى أن يهبط العجز فعلياً قرب 3% من الناتج المحلي.
كما يرى كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «إم يو إف جي» هنري كوك أن الخطة الحالية تمثل عرضاً افتتاحياً أكثر من كونها تسوية نهائية، لأن البرلمان المجزأ سيجعل كل بند تقريباً مفتوحاً لإعادة التفاوض.