
دخلت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا مرحلة اقتصادية أكثر حدة، بعدما فرضت الجزائر، منذ يوليو 2026، قيودا تمنع دخول السلع الفرنسية إلى أراضيها، في خطوة لم تُبلَّغ رسمياً إلى الشركات والمتعاملين الاقتصاديين والبنوك المعنية؛ ما وضع عدداً من الشركات الجزائرية أمام صعوبات متزايدة في تأمين مستلزمات الإنتاج.
تأتي الخطوة بعد عامين من التوتر بين الجزائر وباريس، لتضيف بُعداً تجارياً إلى أزمة سياسية ودبلوماسية متصاعدة، بحسب تقرير نشرته مجلة «جون أفريك» الفرنسية.
وتحمل الإجراءات الجديدة تأثيراً محتملاً على تجارة تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار، بعدما تراجعت الصادرات الفرنسية إلى الجزائر من نحو 4.8 مليار دولار في 2024 إلى 4.007 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يوليو 2026.
تستند القيود إلى «برنامج التوقعات للاستيراد» (PPI)، الذي تشرف عليه وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات الجزائرية بقيادة كمال رزيق، ويشترط الحصول على ترخيص مسبق من الوزارة قبل توطين عمليات الاستيراد مصرفياً.
وأُدخل البرنامج بهدف تنظيم احتياجات السوق، وتشجيع الإنتاج المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد، التي بلغت 48.78 مليار دولار في العام الذي بدأ فيه تطبيقه، وفق التقرير.
لكن توسيع نطاق البرنامج في يوليو الماضي ليشمل جميع الواردات الآتية من فرنسا حوّل الإجراء إلى عائق أمام شركات تعتمد على المنتجات والمواد الوسيطة وقطع الغيار الفرنسية لاستمرار عملياتها الإنتاجية.
وتجدر الإشارة إلى ان القيود الجديدة، وفق المعطيات الواردة، لا تشمل المنتجات الصيدلانية.
إلى ذلك نقلت «جون أفريك» عن مسؤولة تجارية في شركة للصناعات الغذائية غربي الجزائر، طلبت عدم الكشف عن هويتها، أن البنوك ترفض بصورة متكررة طلبات توطين عمليات استيراد منتجات فرنسية، من بينها مدخلات إنتاج وقطع غيار أساسية لخطوط التصنيع، موضحة أن شركتها تعمل منذ سنوات مع شركاء فرنسيين دون عراقيل، لكن طلبات الوفاء بالعقود والطلبيات مع الموردين الفرنسيين أصبحت مرفوضة منذ يوليو.
واعتبرت أن برنامج الاستيراد تحول إلى «عنق زجاجة» أمام النشاط الاقتصادي.
أوضح التقرير أن تداعيات القرار لا تقتصر على الشركات الفرنسية والجزائرية، إذ قد تفتح القيود الجديدة جبهة قانونية مع الاتحاد الأوروبي.
وأكد مصدر دبلوماسي فرنسي، أن الحظر يستهدف فرنسا دون غيرها، معتبراً أنه يضر بمصالح الشركات في البلدين، فضلًا عن احتمال تعارضه مع اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، الموقع عام 2002 ودخل حيز التنفيذ في 2005.
يتوقع أن تدرس المفوضية الأوروبية القرار عن كثب، ولاسيما أن الإجراء اتُخذ، بحسب المصدر، من دون تشاور مسبق أو إخطار السلطات الفرنسية.
كذلك يرى الجانب الفرنسي أن استمرار القيود قد يؤدي كذلك إلى تآكل الثقة بين الجزائر وشركائها الأوروبيين الآخرين، في وقت ترتبط فيه الجزائر بالاتحاد الأوروبي بإطار تجاري مشترك.
تأتي الإجراءات الأخيرة بعدما بدأت الشركات الفرنسية العاملة في السوق الجزائري تحمل تداعيات التوتر السياسي بين البلدين.
وأظهرت دراسة للجمارك الفرنسية نُشرت في يناير 2026 أن عدد الشركات الفرنسية المصدّرة إلى الجزائر تراجع بمعدل يقارب 150 شركة شهرياً بين يناير وأكتوبر 2025، فيما بلغ عدد المصدرين في أكتوبر من العام نفسه نحو 90 شركة أقل مقارنة بالشهر ذاته من 2024.
كذلك أشار مركز الأبحاث والدراسات الفرنسية «مونتين» في مذكرة نشرها أيلول الماضي إلى أن نحو 600 شركة فرنسية كانت تتعامل مع الجزائر أعلنت إفلاسها خلال 2025،إذ تعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الضرر الاقتصادي الناجم عن الأزمة، إذ لم يعد مقتصراً على حركة التجارة الثنائية، بل بدأ يمتد إلى قاعدة الشركات التي تعتمد على السوق الجزائري أو ترتبط بها عبر سلاسل التوريد والاستثمار.
يرى دبلوماسي فرنسي، في وزارة الخارجية الفرنسية، أن من الصعب فصل قرار حظر الواردات الفرنسية عن الإرادة السياسية للسلطات الجزائرية، مشيراً إلى أن الملفات المرتبطة بالعلاقات بين الجزائر وباريس تقع ضمن نطاق القرار الرئاسي.
بحسب هذا التقييم، فإن الإجراء يحمل في جوهره طابعاً سياسياً يتجاوز الاعتبارات التجارية، وقد يؤدي إلى مزيد من التدهور في العلاقات بين قصر المرادية في الجزائر وقصر الإليزيه في باريس.
وأكد تقرير المجلة الفرنسية أنه مع استمرار القيود، قد تواجه التجارة الفرنسية-الجزائرية تراجعاً أكبر بنهاية 2026، بينما يظل خطر تحول الإجراءات المؤقتة إلى سياسة تجارية طويلة الأمد قائماً؛ ما ينذر بإعادة رسم خريطة الشراكات التجارية للجزائر مع فرنسا، وربما مع أوروبا على نطاق أوسع.