
بدأت خريطة النحاس في سلطنة عُمان تتغير من مشروع يعيد المعدن إلى السوق بعد سنوات من الغياب، إلى قاعدة إنتاج تتوزع تدريجياً بين أكثر من منجم، مع ارتفاع الكميات المنتجة والمباعة، ودخول مصادر جديدة للخام، واقتراب مشروعات أكبر من إضافة طاقات جديدة خلال المرحلة المقبلة.
ولا تكمن أهمية هذا التحول في عدد المناجم وحده، بل في أن بعضها أصبح ينتج الخام أو المركزات تجارياً، فيما تستفيد مشروعات مختلفة من منشآت معالجة وممر تصدير قائم عبر «صحار».
هنا تتغير معادلة القطاع: فهل أصبح توسيع إنتاج النحاس ممكناً بإضافة منجم إلى شبكة قائمة، بدلاً من بناء سلسلة مستقلة لكل مشروع؟
أحدث الأرقام تعزز هذه الفرضية. فقد سجل منجم «الواشحي–المجازة» خلال الربع المنتهي في سبتمبر 2026 أفضل أداء فصلي منذ بدء التشغيل، مع مبيعات بلغت نحو 2952 طناً من النحاس المحتوى في المركزات.
وأظهرت بيانات شركة «ألارا ريسورسز» (Alara Resources) الأسترالية، التي تملك حصة 51% في الشركة المشغلة للمشروع، أن الكمية ارتفعت 42% عن الرقم القياسي السابق البالغ 2077 طناً في الربع المنتهي في يونيو، واقتربت من ضعف 1516 طناً المسجلة في الفترة المقابلة قبل عام.
كما تزامن الأداء مع خروج الشحنة رقم 65 من مركزات المشروع عبر «ميناء صحار»، محملة بنحو 196 طناً من النحاس المحتوى، غير أن الدلالة الاقتصادية الأهم تكمن في وتيرة الإنتاج خلف هذه الشحنات، بعدما ارتفعت المبيعات الفصلية بهذا الحجم خلال عام واحد.
يتزامن ارتفاع إنتاج «الواشحي–المجازة» مع عودة مصادر أخرى للنحاس إلى التشغيل. فقد أعادت «تنمية معادن عُمان» تشغيل منجم «الأسيل» ضمن مشروع تطوير «الأسيل» و«البيضاء»، وبدأ استخراج الخام في يوليو 2024، فيما خرجت أول شحنة من المركزات بنهاية العام نفسه بعد معالجة الخام في مصنع تابع لشركة «موارد للتعدين».
وتقدر «تنمية معادن عُمان» الطاقة الإنتاجية لمشروع إعادة تطوير المنجمين بنحو 800 ألف طن من خام النحاس سنوياً، فيما قدرت الاحتياطيات التجارية عند تطوير المشروع بنحو 2.78 مليون طن.
كما تضيف طريقة المعالجة بعداً اقتصادياً إلى توسع القطاع، فاستخدام منشآت قائمة لاستقبال الخام من مواقع مختلفة يسمح بإضافة مصادر جديدة للإنتاج مع الاستفادة من أصول المعالجة المتاحة، بدلاً من ربط كل منجم بمصنع مستقل.
إلى ذلك يشمل هذا النموذج منجم «الغزين» التابع لشركة «موارد للتعدين»، الذي يعالج خامه في مصنع «الأسيل»، وفي أول شحنة تجارية كبيرة للمشروع، صدرت الشركة 7500 طن متري رطب من مركزات النحاس إلى الصين، بعدما تجاوز الخام المستخرج من المنجم 222 ألف طن.
وكان المصنع يعالج خام «الغزين» بمعدل 100 طن متري رطب في الساعة، لينتج مركزات تتجاوز نسبة النحاس فيها 19%، وفق بيانات الشركة.
استمر تطوير المشروع خلال 2026، إذ أبرم «ظفار الإسلامي» و«موارد للتعدين» في مايو اتفاقية بقيمة 64 مليون ريال عُماني لتمويل مشروع التعدين تحت الأرض في «الغزين»، في خطوة قالت الجهتان إنها ستدعم توسع العمليات.
وهكذا يصبح المؤشر الأهم لتوسع الصناعة كمية الخام التي تدخل المعالجة فعلياً، والمركزات المنتجة، والشحنات التجارية الخارجة عبر «صحار»، بالتوازي مع زيادة عدد المناجم التي تغذي هذه السلسلة.
تتجه المرحلة التالية إلى أحجام أكبر مع تطوير «تنمية معادن عُمان» مشروع «مزون للنحاس» في ولاية ينقل بمحافظة الظاهرة، الذي تصفه الشركة بأنه أكبر مشروع متكامل لإنتاج مركزات النحاس في السلطنة.
وتظهر أحدث بيانات الشركة احتياطيات تبلغ 23.4 مليون طن، فيما صُمم مصنع المشروع لمعالجة 2.5 مليون طن من الخام سنوياً وإنتاج نحو 115 ألف طن من مركزات النحاس بتركيز 21.5%. ويضم المشروع ستة مناجم مفتوحة ووحدات تكسير مركزية ومصنع معالجة رئيسياً، إلى جانب شبكات الكهرباء والمياه.
الأهم أن المشروع تقدم ميدانياً خلال الأسابيع الأخيرة. ففي سبتمبر 2026، بدأت أعمال إزالة الصخور والطبقات التي تعلو جسم الخام تمهيداً للوصول إليه وبدء التعدين، في انتقال من أعمال الإنشاء إلى التحضير الفعلي لاستخراج الخام، فيما يستهدف المشروع بدء إنتاج مركزات النحاس في 2027.
كما تضع هذه الخطوة «مزون» في موقع مختلف ضمن خريطة النحاس العُمانية؛ إذ يضيف عند دخوله التشغيل مشروعاً واسع النطاق إلى قاعدة تضم بالفعل مناجم منتجة وأخرى أعيد تطويرها، ما يرفع حجم الخام الذي يمكن أن يدخل دورة المعالجة والإنتاج.
كذلك يتقدم «البيضاء» بدوره كأصل إضافي في هذه الخريطة. وأظهر التقرير السنوي لـ«تنمية معادن عُمان» المنشور في مارس 2026 ارتفاع احتياطيات المنجم إلى نحو 2.9 مليون طن من خام النحاس، ما يضيف مورداً جديداً يمكن تطويره ضمن المربع 4 الذي يضم «الأسيل» أيضاً.
تجمع هذه المشروعات معادلة اقتصادية واحدة: مصادر متعددة للخام، ومنشآت معالجة تستطيع خدمة أكثر من موقع، ومنفذ تصدير قائم عبر «صحار».
فالـ«واشحي–المجازة» يسجل مبيعات قياسية جديدة، و«الأسيل» عاد إلى الإنتاج، و«الغزين» ينتج خاماً تحول بالفعل إلى مركزات وشحنات تجارية ويتلقى تمويلاً جديداً للتوسع، فيما ينتقل «مزون» ميدانياً نحو مرحلة التعدين.
ولا يمكن جمع الطاقات المعلنة لهذه المشروعات باعتبارها إنتاجاً مستقلاً، خصوصاً مع استخدام بعضها منشآت معالجة مشتركة. لذلك يصبح تزايد مصادر الخام المنتجة تجارياً مؤشراً أكثر دقة على تطور الصناعة من مجموع الطاقات الاسمية للمشروعات.
تكتسب هذه القاعدة أهمية إضافية مع توقعات سوق النحاس العالمية. فقد قدرت «وكالة الطاقة الدولية» في تقرير «توقعات المعادن الحرجة العالمية 2026»، الصادر في يوليو، أن فجوة الإمدادات المتوقعة للنحاس بحلول 2035 تبلغ نحو 25% في ضوء المشروعات القائمة والمعلنة، مقابل نحو 30% في تقديراتها السابقة.
كما تتوقع الوكالة إضافة نحو 7 ملايين طن إلى الطلب العالمي على النحاس حتى 2040، وهو أكبر نمو حجمي بين المعادن الحرجة التي تتابعها، مدفوعاً بدوره في شبكات الكهرباء وتقنيات الجيل الجديد.
بالنسبة إلى عُمان، لا تتعلق الفرصة بحجم إنتاج يضاهي كبار المنتجين، وإنما بتوقيت إضافة إمدادات جديدة، وبوجود عناصر سلسلة الإنتاج في منظومة واحدة: مناجم، ومنشآت تركيز، وبنية لوجستية، ومنفذ للتصدير.
من هنا تتجاوز دلالة الأرقام الأخيرة تسجيل ربع قياسي لمنجم واحد. فعودة النحاس حدثت بالفعل، بينما يكمن التحول الجديد في تراكم الإنتاج من أكثر من مصدر وربطه ببنية معالجة وتصدير قابلة للتوسع.
ومع تقدم «مزون» والمشروعات الأخرى، سيصبح الاختبار في حجم الخام والمركزات التي تضاف فعلياً إلى السوق. فإذا استمرت الزيادة بالتوازي مع دخول مصادر جديدة، تكون عُمان قد انتقلت من مرحلة استعادة صناعة النحاس إلى بناء قاعدة إنتاج متعددة المناجم.