
قدّمت منصات البث العالمية، وفي مقدمتها «نتفليكس» و«أمازون» عبر خدمة Prime Video، إضافة إلى «ديزني» عبر «ديزني بلس»، طعوناً أمام مجلس الدولة الفرنسي، في محاولة لإلغاء قاعدة تنظيمية جديدة تُلزمها بتوجيه جزء من استثماراتها الإلزامية في القطاع السمعي البصري نحو مجالات محددة، أبرزها الرسوم المتحركة والأفلام الوثائقية والعروض الحية.
وبحسب تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، استند إلى معلومات نقلها موقع (Satellifacts) المتخصص في شؤون الإعلام، لجأت الشركات الثلاث لمجلس الدولة عبر دعاوى إلغاء، اعتراضاً على ما تعتبره فرض حصص استثمارية فرعية تُلزمها بتخصيص جزء من استثماراتها لفئات محددة من المحتوى، من دون تشاور كافٍ مع القطاع.
تنص القاعدة، التي دخلت حيّز التنفيذ عام 2025، على إلزام منصات البث بتخصيص 20% من التزاماتها الاستثمارية في الإنتاج السمعي البصري الفرنسي لصالح أعمال الرسوم المتحركة والأفلام الوثائقية والعروض الحية، في خطوة تهدف إلى دعم هذه القطاعات التي تواجه ضغوطاً مالية متزايدة.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن إطار تحديثات تنظيمية مرتبطة بنظام خدمات الإعلام السمعي البصري عند الطلب (SMAD)، والذي يفرض على المنصات الرقمية استثمار 16% من إيراداتها المحققة في فرنسا في الإنتاج التلفزيوني، و4% في السينما، ليصل الإجمالي إلى 20%.
قالت نائبة رئيس المحتوى في «نتفليكس» في فرنسا، بولين دوڤان، إن هذه القواعد «تتجاوز الحدود التنظيمية المقبولة»، معتبرة أن فرض تخصيصات قطاعية دقيقة على الاستثمارات «يحمل تدخلاً مباشراً في الحرية التحريرية».
وأضافت أن تحويل جزء كبير من الاستثمارات نحو قطاعات محددة قد يؤدي، بحسب الشركة، إلى تضاعف الإنفاق على هذه الفئات مقارنة بخططها الإنتاجية، بما لا يتماشى مع تفضيلات المشاهدين، وفق تعبيرها.
وتؤكد المنصة، التي تستثمر نحو 250 مليون يورو سنوياً في الإنتاج الفرنسي، أنها شريك رئيسي في دعم الصناعة السمعية البصرية المحلية.
تعتبر المنصات أن الإجراء الجديد يمثل عبئاً تنظيمياً إضافياً، ويمتاز بطابع «غير متناسب وتمييزي»، لكونه موجهاً حصراً إلى خدمات البث التدفقي دون غيرها من الفاعلين التقليديين في القطاع.
وكانت «نتفليكس» قد تقدمت في فبراير الماضي بطعن إداري أولي دون أن تتلقى رداً، قبل أن تلتحق بها «أمازون» في أبريل 2025 عبر طعن منفصل يتعلق أيضاً بـ«تسلسل عرض الأفلام» في السوق الفرنسي.
في المقابل، يرى ممثلو قطاع الإنتاج السمعي البصري في فرنسا أن استثمارات المنصات، رغم أهميتها، لا تنعكس بشكل متوازن على حجم الإنتاج.
وبحسب دراسة صادرة عن الاتحاد المهني للإنتاج السمعي البصري (USPA) في فرنسا، فإن استثمارات المنصات البالغة 262 مليون يورو في الأعمال الجديدة عام 2024 أسهمت في تمويل 43 عملاً فقط، مقارنة بنحو 750 عملاً لهيئة التلفزيون الفرنسي مقابل 376 مليون يورو، وحوالي 200 عمل لقناة (TF1) باستثمار بلغ 166 مليون يورو.
ويشير التقرير إلى أن المنصات تنتج عدداً أقل من الأعمال مقابل كلفة أعلى للعمل الواحد، مع ما يصفه القطاع بـتصاعد المنافسة على المواهب وارتفاع الأجور.
تأتي هذه المواجهة القضائية في وقت تستعد فيه المفوضية الأوروبية لمراجعة توجيه خدمات الإعلام السمعي البصري خلال الخريف المقبل، ما قد يعيد رسم قواعد تمويل الإنتاج السمعي البصري في أوروبا، ويؤثر مباشرة على التزامات منصات البث الكبرى في الأسواق الوطنية، وعلى رأسها فرنسا.