
خلال السنوات الأخيرة، واجهت صناعة السيارات واحدة من أعقد أزماتها منذ عقود. جائحة كورونا عطّلت خطوط الإنتاج وأوقفت حركة النقل العالمية، لكن الضربة الأقسى جاءت من النقص الحاد في الرقائق الإلكترونية.
هذه القطع الصغيرة باتت قلب كل سيارة حديثة، من أنظمة المكابح إلى شاشات الترفيه. ومع قلة المعروض، اضطرت الشركات إلى تقليص إنتاجها، فاختل التوازن بين العرض والطلب وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق.
لم يتوقف الأمر عند الرقائق. أسعار المعادن مثل الألمنيوم والحديد، والليثيوم المستخدم في البطاريات، قفزت بشكل كبير. ومع ارتفاع كلفة الشحن البحري بعد اختناقات الموانئ، تضاعفت الضغوط على الصناعة. النتيجة كانت انتقال هذه التكاليف مباشرة إلى المستهلك، سواء عند شراء سيارة جديدة أو حتى مستعملة.
الجائحة غيّرت عادات الناس. فالكثيرون تخلّوا عن وسائل النقل العام واتجهوا إلى شراء السيارات الخاصة. ومع محدودية السيارات الجديدة في المعارض، ارتفع الطلب على السيارات المستعملة بشكل قياسي. في بعض الأسواق، مثل الولايات المتحدة، قفزت أسعار طرازات معينة بأكثر من 30% مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات.
موجة التضخم العالمية أضافت طبقة جديدة من التعقيد. ارتفاع أسعار الفائدة زاد من تكلفة التمويل على المستهلكين، ومع ذلك لم تتراجع الأسعار. السبب بسيط: العرض ما زال ضعيفاً. أما في دول أخرى، مثل اليابان وأوروبا، فقد ساهم تراجع العملة المحلية أمام الدولار في زيادة كلفة استيراد السيارات ورفع أسعارها أكثر.
السيارات الكهربائية، التي كان يُنظر إليها كخيار اقتصادي على المدى البعيد، أصبحت بدورها عنصر ضغط إضافي. الطلب المتزايد على البطاريات رفع أسعار المعادن النادرة بشكل هائل. والنتيجة أن بعض السيارات الكهربائية المستعملة باتت تُعرض في السوق بأسعار قريبة من الجديدة، في مشهد لم يكن مألوفاً من قبل.
مع ندرة السيارات الجديدة، تحوّلت السوق المستعملة إلى بديل رئيسي. لكن هذه الطفرة في الطلب رفعت الأسعار لدرجة أن بعض الشاحنات وسيارات الـSUV المستعملة عُرضت بقيمة مساوية أو حتى أعلى من سعرها الأصلي عند شرائها جديدة. وهو ما يعكس خللاً غير معتاد في ديناميكيات السوق.
ما نشهده ليس أزمة عابرة، بل نتيجة تداخل مجموعة من العوامل: تعطل سلاسل التوريد، ارتفاع أسعار المواد الخام، التضخم، تغيّر سلوك المستهلكين، والانتقال نحو السيارات الكهربائية. وحتى مع تحسن نسبي في الإنتاج، من المستبعد أن تعود الأسعار إلى مستويات ما قبل 2020. بل يبدو أن سوق السيارات دخل مرحلة جديدة، حيث أصبح الحصول على سيارة بسعر «معقول» تحدياً في حد ذاته.