
تشهد أوروبا حالة من التراجع الحاد في صناعة السيارات، لكن خبراء يؤكدون أن جذور الأزمة لا تتعلق بالقانون الأوروبي المرتقب الذي يحظر بيع السيارات الجديدة المزودة بمحركات احتراق داخلي اعتباراً من عام 2035.
وفي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، اعتبر نائب البرلمان الأوروبي باسكال كانفين أن أسباب الأزمة أعمق بكثير، وتتمثل في ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق وفقدان الأسواق الخارجية الاستراتيجية، لا سيما السوق الصينية. وأضاف أن استمرار التركيز على القانون الأوروبي وحده يشتت الانتباه عن المشاكل الهيكلية التي تهدد القدرة التنافسية لصناعة السيارات الأوروبية على المدى الطويل.
وتشير البيانات إلى أن مبيعات السيارات في أوروبا انخفضت بنحو ستة ملايين وحدة مقارنة بعام 2019.
وبينما لعبت عوامل مثل اضطرابات سلاسل التوريد والضغوط الاقتصادية دوراً في التراجع، يرى كانفين أن السبب الرئيسي يكمن في ارتفاع الأسعار.
وتجدر الإشارة إلى أن متوسط سعر السيارة الجديدة ارتفع بنسبة 40% منذ 2018، من 26 ألف يورو إلى نحو 36.7 ألف يورو.
ويعزو نائب البرلمان الأوروبي هذا الارتفاع جزئياً إلى التشريعات الجديدة الخاصة بالسلامة التي أدت إلى زيادة وزن السيارات، لكنه يشير أيضًا إلى استراتيجيات الشركات نفسها التي ركزت على «القيمة مقابل الحجم»، أي بيع عدد أقل من السيارات بأسعار أعلى لتعظيم الهوامش قصيرة الأجل. هذه الاستراتيجية، التي اعتمدتها شركات مثل «رينو» و«ستيلانتيس»، عززت الأرباح على المدى القصير لكنها أضعفت القاعدة الصناعية الأوروبية.
كما أدى انخفاض حجم الإنتاج إلى تراجع الوظائف، وضغط على الموردين، وارتفاع أسعار السيارات لتصبح خارج متناول الطبقة الوسطى، ما ضيق شريحة المستهلكين المؤهلين لشراء السيارات الجديدة، وأدى إلى خلق فجوة اجتماعية متزايدة بين من يستطيع اقتناء سيارة حديثة ومن لا يستطيع.
وفي ظل هذه الضغوط، يرى كانفن أن التركيز يجب أن يكون على إنتاج سيارات كهربائية صغيرة وميسورة التكلفة في أوروبا، بما يتماشى مع خطة المفوضية الأوروبية لتسريع تطوير السيارات الصفرية الانبعاثات محلياً.
وأوضح أن نجاح هذه الخطة لا يقتصر على تلبية احتياجات السوق الداخلي، بل يعزز قدرة أوروبا على المنافسة عالمياً، خصوصاً في ظل فقدان السوق الصينية، التي كانت لفترة طويلة تعوض التراجع في أوروبا، حيث انخفضت حصة «فولكس فاجن» في الصين من 19% في 2019 إلى نحو 14.5% حالياً، وسط تحول سريع نحو السيارات الكهربائية والهجينة.
كما أن الشركات الأوروبية، التي تأخرت في الاستثمار في هذه التكنولوجيا، بدأت تفقد السباق أمام المنافسين الصينيين الذين طوروا سلاسل توريد أكثر كفاءة وتكاليف إنتاج أقل، مما يزيد الضغط على الصناعة الأوروبية لتبني استراتيجيات تصنيع أكثر مرونة وسرعة.
ويحذر كانفين من أن تحميل الأزمة للقانون الأوروبي لعام 2035 يبعد الانتباه عن المشاكل الهيكلية، مؤكداً أن التحول نحو التقنيات الصفرية الانبعاثات، سواء البطاريات أو الهيدروجين أو الوقود الاصطناعي، أمر ضروري ليس فقط لأسباب بيئية بل لأبعاد صناعية وجيوسياسية.
تمتلك أوروبا القدرة على إنتاج الكهرباء محليًا وتعزيز سلاسل القيمة للابتكار التكنولوجي، ما يقلل الاعتماد على النفط والمواد الأساسية التي تسيطر عليها قوى خارجية مثل الصين.
وشدد التقرير الفرنسي على أن تعزيز قدرات الصناعة الأوروبية في الكهرباء والسيارات الكهربائية، وليس تأجيل أهداف المناخ، سيكون العامل الحاسم في استعادة أوروبا موقعها في سوق السيارات العالمية ومواكبة التحول الصناعي العالمي.