
في صيف 2019، شعر محبو عالم السيارات أنهم يقفون على حافة ولادة عصر جديد. وذلك بعد أن شاهدوا صعود عدد من الصحفيين، والخبراء، والمؤثرين إلى حافلة مكشوفة جابت لندن، قبل أن يتكدسوا داخل مسرح خانق بانتظار لحظة الكشف عن Lotus Evija، السيارة التي قيل إنها ستكتب الفصل الأول من زمن الهايبركار الكهربائية. نحو 2000 حصان من الطاقة الخالصة، صخبٌ إعلامي، ووعود بأن سيارات الاحتراق ستصبح ذكرى من الماضي.
لكن بعد 6 سنوات فقط، تبيّن أن تلك العاصفة كانت مجرد غيمة صيف تمرّ سريعاً.
كانت العلامات الأولى مبشّرة:
Lamborghini Terzo Millennio الكهربائية المستقبلية
Rimac Nevera و Pininfarina Battista في مراحل التطوير الأخيرة
وتصريحات إيلون ماسك التي صوّرت الـ Tesla Roadster القادمة كطفرة لا حدود لها.
آنذاك، بدا لنا وكأن موجة كهربائية عملاقة ستجرف عالم السيارات الرياضية التقليدية. لكن الموجة انكسرت قبل أن تصل الشاطئ.
اليوم، لا تزال Lotus تتحفّظ عن إعلان عدد سيارات Evija التي بيعت، رغم سعرها الذي يبدأ من 2.7 مليون دولار. أما إنتاج 130 نسخة كما كان مخططاً، فأصبح أقرب إلى حلم بعيد.
وفي المقابل، تُباع سيارات V12 الخارقة مثل Ferrari Daytona SP3 و GMA T.50 في لحظات، وكأن العالم يصرّ على أن صوت الاحتراق هو النشيد الذي لا يريد أن يتخلى عنه.
حتى الشركات التي كانت في مقدمة الثقة بالمستقبل الكهربائي، بدأت تتراجع خطوةً إلى الخلف.
أعلن أوليفر بلوم، الرئيس التنفيذي لـ Porsche، أن الشركة تعيد التفكير في خططها استجابةً لتباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية الفاخرة. وتشير التوقعات إلى أن مشروع Mission X قد يكون أحد ضحايا هذا التحول.
أما Ferrari وLamborghini فتتجهان لمسار مختلف:
أولى سياراتهما الكهربائية ستكون SUV بطابع فاخر، بينما سيبقى لقب هايبركار حكراً على طرازات هجينة مثل Ferrari F80 و Lamborghini Fenomeno، مع تأكيد لامبورغيني أنها ستبقي على محركات V12 لأطول فترة ممكنة، وربما ما بعد 2030.
عندما تحدّث Mark Tapscott، المدير التنفيذي لشركة Longbow الناشئة للسيارات الرياضية الكهربائية، لخّص المشكلة بجملة مؤثرة: "العالم لا يحتاج أرقاماً أسرع بل تجارب أفضل". وعلى حد تعبيره، تم بناء السيارات الكهربائية حول الوفرة: "بطاريات هائلة، محركات جنونية، وأرقام تسارع لا يكاد العقل يصدقها". لكنها، برأيه، تقدّم "سرعة دون روح".
السيارة الخارقة ليست جدول مواصفات بل حكاية. نشيد معدني ينبض بالحياة، يشعل عاطفة السائق قبل أن يحرّك العجلات.
حتى Mate Rimac، الأب الروحي للهايبركار الكهربائية، اعترف بأن السردية تغيّرت. قال في مؤتمر Financial Times: "بدأنا تطوير Nevera في 2016 عندما كان كل شيء كهربائي يبدو رائعاً الآن لم يعد الأمر كذلك". وشبّه اختلاف الشعور بين الهايبركار الكهربائية والاحتراقية بـ"الفرق بين ساعة ميكانيكية فاخرة وساعة Apple Watch"، الأخيرة أدقّ، أذكى، وأرخص لكن أحداً لن يدفع 200 ألف دولار لامتلاكها.
ومن المفارقات الساخرة، أن Rimac نفسه كشف بصفته الرئيس التنفيذي لـ Bugatti عن Bugatti Tourbillon بمحرك V16 تنفّس طبيعي، وكأنه يشير ضمناً إلى أن الروح لا تُشحن بالكهرباء.
من منظور اقتصادي بحت، يمكن تلخيص أزمة الهايبركار الكهربائية في ثلاث نقاط محورية:
القيمة العاطفية تتفوّق على القيمة التقنية
سوق الهايبركار ليس سوق احتياجات، بل سوق رمزية وهوية. المشتري الذي يدفع 3 ملايين دولار لا يبحث عن كفاءة أو هدوء أو اقتصاد. بل عن صوت، تاريخ، وإرث. ولهذا بقيت سيارات V12 تُباع في لحظات، لأنها تشبه اقتناء لوحة فنية لا تُقدّر بثمن.
ارتفاع السعر مقابل غياب الندرة
رغم القوة المذهلة، لا تحمل الهايبركار الكهربائية عنصر الندرة الثقافية الذي تمتلكه نظيراتها من الاحتراق.
السيارة الكهربائية يمكن نظرياً لأي شركة تكنولوجيا قوية إنتاجها: مجموعة بطاريات + محركات + برمجيات. وهذا يقتل أسطورة التفرد التي تجذب الأغنياء.
ضعف السوق الفعلية
السوق العالمية للسيارات الفائقة شهدت تباطؤاً في النمو، فيما عاد المستهلك الفاخر للاستثمار في ما يعتبره أصالة، بمعنى آخر: "القيمة التي يشعر بها المشتري ليست في التسارع بل في الصوت والهوية والميراث".
التشريعات في ثلاثينيات هذا القرن قد تغيّر قواعد اللعبة. وقد ينشأ جيل جديد من عشاق السيارات تربّى على أصوات الصمت، لا هدير المحركات. لكن حتى ذلك اليوم، يبدو أن السيارات الكهربائية الخارقة قد جاءت وذهبت بسرعة تشبه سرعة Evija في وضعية Track ومضت.
الهايبركار الكهربائية.. أسطورة وُلدت قبل أوانها
ربما بالغنا في التفاؤل. وربما لم يكن العالم مستعداً بعد لسيارة خارقة لا تشبه السيارات التي أحببناها طوال قرن من الزمن.
الفكرة لم تمت، لكنها تحتاج إلى شيء واحد لم يجد طريقه بعد إلى الدوائر الكهربائية: "العاطفة".
فكل قوة العالم لا تكفي إن لم تستطع السيارة أن تلمس شيئاً من روحنا.