
في كثير من التجارب، يكفي ضغط خفيف على دواسة سيارة كهربائية حتى تنطلق إلى الأمام بانسيابية حادة، كأنها تنزلق على سطح أملس بلا مقاومة. لا هدير يسبق الحركة، ولا اهتزاز يمهّد للجسد ما سيحدث. تسارع فوري، نظيف، وصمت يكاد يكون مفاجئاً.
بعد لحظات، قد يظهر ذلك الإحساس الخفيف باختلال داخلي، ليس خوفاً ولا دهشة، بل ارتباك حسي دقيق، كأن الحواس لم تتفق بعد على تفسير ما يجري.
لهذا لم يعد الحديث عن دوار السيارات الكهربائية مجرد انطباع عابر، بل مسألة تستحق التوقف والتحليل.
دراسة صادرة عن Université de Technologie de Belfort-Montbéliard، ونقلتها The Guardian، تشير إلى أن انخفاض الإشارات السمعية والاهتزازية داخل السيارات الكهربائية يؤثر في قدرة الدماغ على تقدير قوى الحركة بدقة. ببساطة: أدمغتنا تعوّدت لعقود على قراءة المشهد الحركي عبر الصوت قبل الصورة. في سيارات الاحتراق الداخلي، كان ارتفاع صوت المحرك يسبق التسارع، وانخفاضه يمهّد للكبح. كان الصوت بمثابة إشعار مبكر.
في السيارة الكهربائية، يختفي هذا التنبيه، فيجد الدماغ نفسه متأخراً خطوة. الأمر لا يتعلق بالصمت وحده. المحركات الكهربائية تقدّم عزمها الأقصى من اللحظة الأولى. لا تصاعد تدريجياً كما في محرك تقليدي، بل تقفز مباشرة إلى القوة. أضف إلى ذلك الكبح المتجدد القوي وأنظمة القيادة بدواسة واحدة، فتجد نفسك في بيئة ديناميكية مختلفة كلياً. العين ترى تسارعاً حاداً، لكن الأذن لا تسمع ما اعتادت سماعه، والجسد لا يتلقى التدرّج الذي ألفه. هنا يبدأ الصراع بين الحواس. والصراع بين الحواس هو الوصفة الكلاسيكية للغثيان.
في هذا السياق، ظهرت براءة اختراع جديدة من Mercedes-Benz، رصدها موقع CarBuzz، تقترح مقاربة غير بديهية: إذا كانت الإشارات الطبيعية اختفت، فلنصنع إشارات بديلة. الفكرة تقوم على استخدام تدفق الهواء داخل المقصورة والإضاءة المحيطية لمحاكاة الإحساس بالحركة. كلما زادت السرعة، يزداد تدفق الهواء. عند التسارع أو الكبح، تتبدل ألوان الإضاءة أو أنماطها لتمنح الدماغ مؤشرات بصرية إضافية.
الفكرة مثيرة، لكنها أيضاً معقّدة. نحن لا نتحدث عن لمسة جمالية، بل عن نظام يجب أن يتواصل لحظياً مع حساسات التسارع ونظام الكبح المتجدد ووحدة إدارة المناخ. أي خلل في التزامن سيجعل التجربة مصطنعة أو مزعجة. وهنا يبرز سؤال منطقي: هل المشكلة واسعة فعلاً إلى درجة تبرر هذا المستوى من التعقيد؟
اقتصادياً، المسألة أكثر دهاءً مما تبدو. سوق السيارات الكهربائية يقترب من مرحلة النضج. الفوارق في المدى والشحن تتقلص تدريجياً. المنافسة تنتقل من الأرقام الصلبة إلى جودة التجربة. الراحة لم تعد ترفاً، أصبحت أداة تمييز.
إذا استطاعت شركة مثل مرسيدس أن تقدم استقراراً حسياً يشعر به الركاب فعلياً، فهي لا تعالج عرضاً عابراً، بل تضيف طبقة جديدة من الفخامة غير المرئية تلك التي تُشعر العميل بالاطمئنان دون أن يعرف لماذا.
لكن هناك زاوية أخرى يجب ألا نتجاهلها. أحياناً، تبحث الصناعة عن مشكلة لتخلق منها ميزة تسويقية. ليس كل راكب في سيارة كهربائية يشعر بالدوار. بل إن كثيرين لا يلاحظون أي اختلاف. فهل نحن أمام تحدٍّ هندسي حقيقي؟ أم أمام فرصة لبناء سردية جديدة حول الراحة الذكية؟
تاريخ براءات الاختراع في صناعة السيارات يخبرنا أن كثيراً من الأفكار تبقى حبيسة الأدراج. تسجيل الفكرة لا يعني بالضرورة دخولها خطوط الإنتاج قريباً. الكلفة، التعقيد، وقابلية التطبيق كلها عوامل حاسمة. وقد يكون الحل الأبسط قيادة أكثر سلاسة، تخفيف حدة الكبح المتجدد، ووعياً أكبر بأسلوب التسارع كافياً في معظم الحالات.
في النهاية، ما يحدث داخل المقصورة الكهربائية هو إعادة تفاوض بين الإنسان والآلة. نحن ننتقل من عصر كانت فيه السيارة تتحدث بصوت عالٍ، إلى عصر تهمس فيه بالكاد. الصمت الذي حلمنا به طويلاً كشف جانباً لم نحسب له حساباً: أن أجسادنا كانت تعتمد على الضجيج أكثر مما نعترف. ربما لن يكون الحل في إعادة الصوت، بل في تعليم أجسادنا لغة جديدة للحركة. وربما وهذا الأرجح ستفعل الصناعة الأمرين معاً.