
شهدت مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا طفرة قوية، مع دفع ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الاضطرابات الجيوسياسية مزيداً من السائقين إلى التخلي عن محركات الاحتراق الداخلي، بعد سنوات من المحاولات الواسعة للحد من الاعتماد عليها.
وبحسب وكالة «بلومبرغ»، قفزت مبيعات السيارات الكهربائية في أنحاء أووربا بنسبة 52% خلال أغسطس مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، وفق بيانات نُشرت اليوم الخميس عن رابطة مصنعي السيارات الأوروبية.
وقادت ألمانيا، أكبر سوق للسيارات في المنطقة، المكاسب بزيادة بلغت ثلاثة أرباع، بينما تجاوزت المبيعات في فرنسا الضعف.
وقال كزافييه شاردون، رئيس علامة «سيتروين» التابعة لـ«ستيلانتس»، إن ارتفاع أسعار الوقود يجعل مسألة تكاليف التشغيل أكثر وضوحاً للمستهلكين، مضيفاً أن شراء سيارة كهربائية لم يعد خياراً تكنولوجياً، بل أصبح خياراً اقتصادياً.
ويعود جزء رئيسي من القفزة في الطلب على السيارات الكهربائية إلى ارتفاع تكلفة تشغيل السيارات التقليدية التي تعتمد على الوقود الأحفوري، بعدما صعدت أسعار النفط.
وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى اضطراب حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، ما دفع متوسط سعر لتر البنزين في ألمانيا إلى مستوى قياسي بلغ 2.31 يورو، بما يعادل نحو 10 دولارات للغالون. وارتفع سعر الديزل إلى مستويات أعلى، مع تسبب الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية في تقليص الإمدادات العالمية.
وأدى تحول المشترين الأوروبيين نحو السيارات الكهربائية إلى ارتفاع حصة السيارات التي يمكن توصيلها بالكهرباء إلى أكثر من سيارة واحدة من كل ثلاث سيارات مباعة حتى أغسطس، مقارنة بأكثر قليلاً من سيارة واحدة من كل أربع سيارات سابقاً.
وتتكرر الصورة في أنحاء المنطقة، حيث تضغط زيادة أسعار الوقود على الأسر التي تواجه ضغوطاً مالية متزايدة، مع ارتفاع الأسعار بأكثر من الربع في الأسواق الرئيسية.
كما تضر الزيادة شركات تعتمد على النقل. وقال شارل ريفيير، وهو صياد يبلغ من العمر 54 عاماً من لوس سور مير على الساحل الشمالي لفرنسا، إن ارتفاع تكلفة تزويد شاحنته وقاربه بالوقود يعني حاجته إلى عدد أكبر بكثير من سكان باريس لشراء منتجاته البحرية حتى يصبح الذهاب والعودة إلى العاصمة مجدياً.
وقال ريفيير إنه كان في السابق يحقق ربحاً من خلال وجود 12 أو 13 عميلاً فقط في باريس، لكنه لم يعد يذهب إلى العاصمة ما لم تكن لديه طلبات من 20 عميلاً على الأقل، مضيفاً أن عدد العملاء يتراجع بشكل متزايد، وأن عدم ذهابه يعني عدم تحقيق أي دخل.
وبالنسبة إلى حصة متزايدة من السائقين، أصبح التحول إلى السيارات التي تعمل بالبطاريات هو الحل. ووفق تحليل لموقع «فيريفوكس» للمقارنة، فإن شحن سيارة كهربائية متوسطة أو فاخرة في المنزل بألمانيا يكلف حالياً نحو 70% أقل من تكلفة تزويد سيارة تعمل بالبنزين بالوقود.
وكانت السيارات الكهربائية قد بدأت بالفعل في اكتساب زخم في أوروبا خلال وقت سابق من العام، مع طرح شركات صناعة السيارات طرازات أقل تكلفة، مثل سيارة «رينو Twingo E-Tech» للمدن التي يبدأ سعرها من 19,490 يورو، وسيارة «سكودا إلروك» الرياضية متعددة الاستخدامات المدمجة من «فولكس فاغن» بسعر يبدأ من 37,890 يورو.
وساعدت الزيادة الحادة في الطلب على السيارات الكهربائية خلال العام على تعويض الانخفاضات الكبيرة في السيارات التي تعمل بالوقود فقط، إذ ارتفعت إجمالي عمليات التسليم في أغسطس بنسبة 5.3%، وفق رابطة مصنعي السيارات الأوروبية.
كما تقدم الحكومات دعماً مالياً، خاصة للأسر الأقل دخلاً. ويمكن للسائقين في ألمانيا الذين يقل دخلهم عن حد معين الحصول على خصم يصل إلى 6 آلاف يورو من سعر شراء سيارة كهربائية، بينما يمكن لبرنامج في فرنسا خفض أقساط السيارات الشهرية إلى أقل من 100 يورو لبعض الطرازات، مثل «سيتروين ë-C3» المخصصة للمدن.
وفي الوقت ذاته، تتراجع المخاوف المتعلقة بقصر مدى البطاريات. ويمكن لسيارة «فورد كابري» الكهربائية طويلة المدى قطع أكثر من 600 كيلومتر بشحنة واحدة، وهو مدى مماثل للسيارة «فولفو EX60» متوسطة المدى.
لكن طفرة السيارات الكهربائية التي طال انتظارها تأتي بتداعيات على شركات صناعة السيارات الأوروبية العريقة، بعدما تسببت اضطرابات الطلب وتغييرات مفاجئة في القواعد التنظيمية بالولايات المتحدة في محو عشرات المليارات من الدولارات من قيمة الصناعة، وإجبار الشركات على إعادة تقدير توقعاتها للمبيعات.
وتصدرت «ستيلانتس»، الشركة المصنعة لسيارات «أوبل»، عمليات خفض قيمة الأصول، بعدما سجلت تكلفة استثنائية بلغت 25.4 مليار يورو العام الماضي. كما واجهت الشركة، التي تنتج «جيب» و«رام»، أضراراً إضافية بعد التراجع الأميركي عن سياسات السيارات الكهربائية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وردت شركات صناعة السيارات بتعميق إجراءات خفض التكاليف القائمة بالفعل. وتدفع «فولكس فاغن»، أكبر شركة مصنعة في المنطقة، بخطط لمضاعفة خفض الوظائف عالمياً إلى 100 ألف وظيفة. كما خفضت الشركة يوم الجمعة توقعاتها للأرباح هذا العام بسبب انكماش حاد في الصين.
وفي المقابل، تفتح الصعوبات التي تواجهها أوروبا المجال أمام الشركات الصينية لتوسيع حضورها، مع تقديم سيارات تجمع بين التكنولوجيا والأسعار المنخفضة. ويبدأ سعر سيارة «BYD Dolphin Surf» الكهربائية الصغيرة من 22,990 يورو، كما تقدم الشركة للعملاء في إيطاليا خصومات تصل إلى 11,600 يورو.
وشكلت العلامات التجارية الصينية حصة قياسية بلغت نحو 12% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا خلال أغسطس، وفق بيانات شركة «داتا فورس» التي نُشرت الأربعاء.
كما بدأ تأثير ارتفاع أسعار الوقود القياسية في إعادة تشكيل الأجندات السياسية الأوروبية. ومع تراجع دعم الناخبين للائتلاف الحاكم بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، اتفقت الحكومتان الاتحادية وحكومات الولايات في ألمانيا الأسبوع الماضي على حزمة مساعدات بقيمة 2.5 مليار يورو لسائقي السيارات والشركات.
وفي إيطاليا، أدخلت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني هذا الشهر خفضاً لضريبة امتلاك السيارات، قبل انتخابات وطنية مقررة العام المقبل.
أما في فرنسا، فتتزايد المخاوف من أن تؤدي أزمة تكاليف المعيشة الأخيرة إلى اضطرابات جديدة مشابهة لاحتجاجات «السترات الصفراء» في عام 2018. وخلال الأسبوع الماضي، أغلق صيادون عدة موانئ ومستودعاً للوقود على طول ساحل البحر المتوسط، كما تعرضت بعض محطات الوقود في شمال البلاد للتخريب.
وقال جاك فاييس، مالك محطة وقود مستقلة في قرية سال-كيران بمنطقة أفيرون جنوب شرقي فرنسا، إن السائقين «لم يعودوا يملأون خزاناتهم بالكامل»، محذراً من تداعيات اجتماعية ما لم تخفض الحكومة ضرائب الوقود.