
لم تعد دول مجلس التعاون الخليجي تتنافس فقط على جذب شركات التكنولوجيا المالية كنوع من الوجاهة الاقتصادية، بل انتقلت المنافسة إلى مستوى «العمق التنظيمي».
من قلب المنطقة التي توصف اليوم بأنها «مختبر عالمي» للأصول الرقمية، يبرز صراع بين ثلاثة مسارات متباينة.. تعدد المسارات، المركزية، والانتقائية.
هذا السباق المحموم نحو التوسع في هذا القطاع المالي الناشئ، يصطدم بسؤال جوهري حول البيئة المثالية لجذب رأس المال الضخم دون الوقوع في فخ الأزمات النظامية.
تعتمد دولة الإمارات نموذجاً فريداً يقوم على «تعدد ولايات الاختصاص» (Multi-jurisdictional)، حيث تتوزع الأدوار بين دبي وأبوظبي والمراكز المالية الحرة.
قال أكاش أناند، رئيس قسم الشرق الأوسط وإفريقيا في مؤسسة «أفالوق»، في حديث مع «إرم بزنس»، إن إطار مركز دبي المالي العالمي الراسخ يقدّم مصداقية عالمية وتوازناً قوياً بين حماية المستثمر والابتكار.
وأضاف، «لا يوجد نموذج واحد يناسب الجميع؛ فالجهات التنظيمية يجب أن تعمل لضمان اتساق القواعد عبر مختلف الولايات لتعزيز الابتكار المنضبط».
يشير هذا النموذج إلى أن الإمارات تراهن على «التخصص»؛ فالمستثمر المؤسسي يبحث عن «الملاءمة والمساءلة» التي يوفرها مركز دبي المالي، بينما يبحث مزودو التكنولوجيا عن «الأطر التقنية» في أبوظبي.
تلتزم البحرين بنموذج الجهة التنظيمية المركزية مصرف البحرين المركزي، مراهنةً على أن الوضوح والمسار الواحد هو ما يبحث عنه المصدرون للأصول الرقمية.
أطلقت البحرين مؤخراً إطار «SIO» الخاص بمُصدري العملات المستقرة، وهي خطوة يراها الخبراء محاولة لملئ «الحلقة المفقودة» في التنظيم الإقليمي.
وأشار أناند إلى أن تنظيم «المُصدر» هو عنصر أساسي لاعتماد المؤسسات للأصول الرقمية. وأن إقبال المستثمرين يتوقف على الثقة، وهذه الثقة تعتمد على تنظيم قوي «للمُصدر» إلى جانب وصول آمن عبر مؤسسات مالية موثوقة.
تتخذ الدوحة نهجاً حذراً وانتقائياً، فإطار الأصول الرقمية في مركز قطر للمال يفتح الأبواب على مصراعيها لـ«الترميز» (Tokenization) – أي تحويل الأصول الحقيقية كالعقارات والسندات إلى «توكنات رقمية» – لكنه يضع خطاً أحمر أمام العملات المشفّرة والعملات المستقرة (Stablecoins).
وفي هذا السياق يقول أناند، «حتى الترميز وحده يمثّل خطوة متقدمة في توسيع عالم الاستثمارات. هذا النهج ضروري في أسواق مثل قطر والبحرين التي تلعب دوراً مهماً في الخدمات المصرفية الخاصة، حيث يضع الابتكار المنضبط اليوم المؤسسات في موقع يمكّنها من اقتناص الفرص مع فتح الأبواب تدريجياً».
تراهن قطر على «سمعة المركز المالي»؛ فهي تريد فوائد البلوكتشين (السرعة، التكلفة، الشفافية) دون التعرض لمخاطر السمعة المرتبطة بتقلبات سوق الكريبتو.
خلف النماذج الثلاثة، يدور نقاش أعمق حول كيفية ضمان بقاء هذه الشركات آمنة بعد حصولها على الترخيص، وهنا تبرز الفجوة بين قابلية الترخيص وبين قابلية التدقيق.
خبيرة امتثال العملات المشفرة في شركة «كيلرهاس كاراد» ماجدالينا بوشكيتش أكدت خلال حديثها مع «إرم بزنس»، أن الترخيص عملية ساكنة وتطلعية (تشبه رخصة القيادة)، بينما التدقيق عملية ديناميكية واسترجاعية تعتمد على الأدلة (تشبه الصندوق الأسود). مضيفةً أن الخطر النظامي لا ينجم عن فشل التكنولوجيا، بل عن تآكل الرقابة وضعف الضوابط الداخلية التي تسمح للكيانات الهشّة بالتوسع بسرعة مفرطة.
وحذرت خبيرة القطاع السويسرية، من فخ «الضبط والنسيان» (Set and forget) في أنظمة الامتثال، مؤكدة أن الاعتماد على قوائم العملات الخاصة بالمنافسين هو «خطأ جسيم» يهدد الملاءمة الرقابية للشركات.