الحيتان والمؤسسات عنصر فاعل في القصة
بيتكوين تتفوق على الذهب في الحرب حتى الآن

هل ولى زمن الذهب التقليدي، وبدأ عصر الذهب الرقمي؟ جدل يثيره مؤيدو بيتكوين، خاصة مع تزايد التبني المؤسسي، وبعد أن أصبحت أغلب البنوك الكبرى التي رفضت بيتكوين كمخزن للقيمة سابقاً، لاعباً فاعلاً في منظومة العملة الأغلى والأكثر ندرة في سوق الكريبتو.
في المقابل لتلك الرؤية المتفائلة، يرى فريق آخر من المحللين أن الارتفاع الأخير في سعر بيتكوين قد يكون فخاً للثيران، حيث يقوم كبار حاملي بيتكوين بإرسال المزيد من العملات إلى منصات التداول، وهي خطوة غالباً ما تشير إلى تزايد ضغط البيع.
وبين السرديتين، يتحرك السوق حالياً بين رهان استراتيجي طويل الأجل على ندرة بيتكوين، وخوف قصير الأجل من موجة بيع يقودها كبار الحائزين.
ويعكس هذا الأداء خلال الحرب تحوّلاً لافتاً، إذ بدأت شريحة من المستثمرين تتعامل مع بيتكوين كأصل بديل للمخاطر الجيوسياسية، لا مجرد أصل مضاربي عالي التذبذب.
يشهد كل من بيتكوين والذهب فجوة تقييم تاريخية، ما يلفت انتباه محللي السوق، وقد أوضح خبير استراتيجيات العملات الرقمية "مايكل فان دي بوب" أسباباً تدعو إلى تحول كبير في استثمارات بيتكوين بعيداً عن الذهب.
انخفضت قيمة بيتكوين مقارنةً بالذهب إلى ما دون مستوى الانحراف المعياري المزدوج، وأشار فان دي بوب إلى أن هذا لم يحدث إلا في أربع مناسبات سابقة، أعقب كل من هذه الفترات ارتفاع قوي في قيمة بيتكوين:
توقع دي بوب، وفقاً للأداء التاريخي لبيتكوين، تكرار سيناريوهات مماثلة بعد قراءات مشابهة لمؤشر سيغما، مع ارتفاعاً محتملاً إلى 108 آلاف دولار خلال ثلاثة أشهر، كما توقع وصوله إلى 160 ألف دولار خلال ستة أشهر، ونطاقاً يتراوح بين 250 ألفاً و300 ألف دولار على مدى 12 شهراً.
أشار فان دي بوب إلى تباين ملحوظ في سلوك الأسعار مؤخراً، وكتب في منشور على منصة «إكس»: «سعر بيتكوين كان في ارتفاع منذ بدء الحرب الإيرانية، بينما استقر سعر الذهب إلى حد كبير خلال الفترة نفسها».
إلا أن تكرار النمط تاريخياً لا يعني بالضرورة تكراره آلياً، إذ أصبحت السوق اليوم أكثر ارتباطاً بالسيولة العالمية وسياسات الفائدة من الدورات السابقة.
قال دي بوب: «بالنسبة للمستثمرين الذين يمتلكون كلا الأصلين، أقترح زيادة حصة بيتكوين في هذه المرحلة، إذ إن فرصة صعود بيتكوين متاحة الآن، بينما قد يدخل الذهب في فترة تباطؤ تمتد لعدة سنوات».
وشهد الذهب ما وصفه فان دي بوب بأنه تحرك صعودي استثنائي يتراوح بين 2.5 و3 سيغما، وقارن ذلك بحالتين سابقتين:
ويشير هذا النمط إلى احتمال تعرض الذهب لضغوط بعد هذا الارتفاع الممتد، وتوقع فان دي بوب نطاقاً سعرياً محتملاً للذهب يتراوح بين 2800 و3200 دولار خلال مرحلة توطيد تستمر من سنتين إلى أربع سنوات.
وهذا يعني أن المنافسة بين الأصلين قد لا تكون صفرية، بل دورية، حيث ينتقل رأس المال بينهما بحسب المرحلة الاقتصادية ومستوى المخاطر.
أشار فان دي بوب إلى أنه بمجرد انتهاء فترة ازدهار بيتكوين خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، قد يكون التحول إلى الذهب خياراً استراتيجياً، إذ يرى أن كلا الأصلين قيّمان على المدى الطويل، لكن توقيت التحول بينهما هو ملمة السر.
وفقاً لتقرير صادر عن رئيس قسم الأبحاث لدى «كريبتو كوانت كابيتال» خوليو مورينو: «ارتفع نشاط الحيتان، وزادت التدفقات النقدية إلى منصات التداول، لذا فإن ارتفاع سعر بيتكوين ينطوي على مخاطر جني الأرباح».
رصدت منصة «كريبتو كوانت كابيتال» قفزة في متوسط تدفقات بيتكوين الداخلة في الساعة الواحدة مؤخراً إلى حوالي 11 ألف بيتكوين، وهو أعلى مستوى مسجل في الساعة منذ أواخر ديسمبر 2025.
وقال محللو المنصة: «ومع ذلك، سيصبح الحفاظ على هذا الارتفاع أكثر صعوبة مع استمرار المزيد من المستثمرين في تحويل الأموال إلى البورصات في الوقت الذي يرتفع فيه السعر، مما يؤدي إلى زيادة ضغط البيع».
تاريخياً، تُعد تحركات الحيتان من أكثر المؤشرات حساسية، لأنها غالباً تسبق التحولات السعرية لا تتبعها.
تشير الأرقام، بحسب بيانات «كوين غلاس»، إلى أن الحيتان تقف وراء جزء كبير من النشاط الأخير، لأن متوسط إيداع بيتكوين المرسل إلى منصات التداول ارتفع إلى 2.25 بيتكوين، وهو متوسط يصعب على المتداولين الصغار تحقيقه.
وجاءت أكبر التحويلات عبر منصة «بينانس»، حيث قام الأفراد بإيداع أكثر من 1000 بيتكوين، وهو ما يقول محللو «كريبتو كوانت كابيتال» إنه يمكن أن يؤثر على اتجاه السوق عندما يتحرك الكثير منهم في وقت واحد.
كذلك فإن الودائع الكبيرة شكلت 40% من إجمالي التدفقات النقدية إلى منصات التداول، ارتفاعاً من 10% قبل أيام، وهي بمثابة تحذير من أن أسعار بيتكوين على وشك الانخفاض نظراً لتفوق قوة البائعين على المشترين، وعندما تأتي التدفقات من محافظ كبيرة نحو المنصات، يقرأها السوق عادةً كإشارة استعداد للبيع أو التحوط.
انخفض سعر بيتكوين من 100 ألف دولار إلى 60 ألف دولار في يناير 2026، بعد أن ارتفع متوسط إيداعات بيتكوين في منصات التداول إلى ما يقارب 2 بيتكوين، مما يسلط الضوء على السلوك الذي يسبق انخفاض الأسعار.
وشهد مارس 2026 انخفاضاً مماثلاً بعد أن زادت التدفقات النقدية الداخلة إلى منصات التداول إلى 9 آلاف بيتكوين في الساعة، حيث شكلت الإيداعات الكبيرة 63% منها.
وفي حين أن تدفقات اليوم البالغة 11 ألف بيتكوين أعلى بكثير من مستوى 9 آلاف بيتكوين في مارس، وعلى الرغم من أنها لا تضمن انخفاضاً في السعر، إلا أنها لا تزال تشير إلى احتمال حدوث تراجع في المستقبل وتزيد من ضغط البيع المرتفع.
يقترب سعر بيتكوين حالياً من السعر الذي حققه المتداولون على البلوك تشين، والذي يقارب 76800 دولار، وهو مستوى مقاومة خلال فترات انخفاض السوق، لذلك فإن اختراق هذا المستوى لن يكون رقماً فنياً فقط، بل اختباراً حقيقياً لقوة الطلب المؤسسي الجديد.
وشهد شهر يناير 2026 ذروة انتعاش السوق الهابطة عند تلك النقطة، ويقول المحللون إن النمط نفسه قد يتكرر إذا زاد المزيد من البائعين الضغط بالقرب من هذا المستوى.
ووفقاً لـ«كريبتو كوانت كابيتال»، يقع مستوى الدعم الرئيسي التالي بالقرب من 67600 دولار إذا فشل بيتكوين في اختراق مستوى المقاومة البالغ 76800 دولار، وهو أمر مرجح للغاية نظراً لزيادة ضغط البيع من المتداولين القلقين.
تُظهر بيانات البلوك تشين أن عمليات جني الأرباح تتزايد بسرعة، حيث حقق المستثمرون بالفعل أرباحاً تُقدر بنحو 1.14 مليار دولار.
وتشير منصة «كريبتو كوانت كابيتال» إلى أن هذا المبلغ ليس ذروة ما يمكن أن تحققه عمليات جني الأرباح، لأن متوسط الأرباح اليومية المحققة لا يزال يبلغ حوالي 500 مليون دولار، على الرغم من أنها عادةً ما تتجاوز مليار دولار يومياً في الأسواق الهابطة.
وتقول منصة التحليلات المؤسسية التي تتخذ من كوريا الجنوبية مقراً لها إن زيادة ضغط البيع قد توقف الاختراق وتؤدي إلى انعكاس إذا قرر المزيد من حاملي العملات الرقمية بيع رموزهم بمجرد أن يتجاوز بيتكوين منطقة المقاومة البالغة 76800 دولار.
وبين ذهبٍ يملك التاريخ، وبيتكوين تملك الندرة، يقف السوق أمام معركة لم تُحسم بعد، فإذا نجحت العملة الرقمية في جذب السيولة المؤسسية خلال الأزمات كما تفعل في الرخاء، فقد لا يكون السؤال من ينافس الذهب، بل من يرث عرشه تدريجياً.