السوق تراقب المفاوضات وأسعار النفط
خفض الفائدة يعود إلى طاولة «الفيدرالي»

خسر الذهب أكثر من 1200 دولار في ذروة الحرب، قبل أن يعود الآن لمحاولة استعادة موقعه قرب 5000 دولار، في وقت لم يعد يتحرك كملاذ آمن كما اعتادت السوق، بل كأصل يتأرجح بين رهانات الحرب وتوقعات نهايتها.
وكانت الحرب نذير شؤم على الذهب، تزامناً مع ارتفاع أسعار النفط الذي أجّج مخاوف عودة التضخم، ومنح الدولار قوة استثنائية مع انقلاب توقعات مسار السياسة النقدية.
وفي وقت كان يُفترض أن تشتعل فيه الأسعار مع تصاعد التوترات، خسر المعدن الأصفر جزءاً كبيراً من بريقه، قبل أن يعود الآن للظهور، مدفوعاً بتغير توقعات الفائدة وضعف الدولار، وهدوء نسبي في وتيرة ارتفاعات النفط، تزامناً وتزايد التفاؤل بشأن احتمال التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب.
وحوّم الدولار في التعاملات الصباحية اليوم الخميس، قرب أدنى مستوى له في أكثر من شهر؛ ما يجعل السلع المقومة به، مثل: الذهب، أقل تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.
كتب تاجر المعادن المستقل تاي وونغ: «هذا ارتفاع تلقائي ناجم عن الارتياح، ويبقى أن نرى ما إذا كانت إيران ستلتزم بوقف إطلاق النار، لكن هذا الصعود لا يزال هشاً، ويصطدم بعقبات فنية ونقدية في آن واحد».
وأضاف: «بالنسبة للذهب، سيشكل المتوسط المتحرك لمدة 200 يوم عند 4930 دولاراً، ثم 5000 دولار، عقبتين رئيسيتين».
بدوره، كتب كبير محللي السوق في «أواندا» كيلفن وونغ: «تبقى تلميحات الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أنه سيلتزم الحياد، كافية لتماسك الذهب».
وتابع وونغ في مذكرة للعملاء: «إذا كانت الأسواق تأمل في قرب نهاية الحرب، فإن ذلك يعيد إلى طاولة التوقعات خفض أسعار الفائدة، وهو ما يضعف الدولار ويعيد للذهب بريقه».
قال المحلل في «سويسكوت» كارلو ألبرتو دي كاسا: «النفط لا يزال مرتفعاً؛ ما يؤكد أن التوتر لم ينته بعد، ولم تتحرك أسعار الذهب بشكل كبير في الأيام القليلة الماضية، إلا أنها تزحف صوب 5000 دولار بعدما تجاوزت عقبة 4800 دولار».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «ارتفاع الدولار وعائدات سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات شكلا أيضاً ضغوطاً على المعدن النفيس، وتراجعهما الآن يمنح الذهب متنفساً».
كما لفت إلى أن أسعار النفط والوقود ستحدد بشكل جدي قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة من عدمه.
وتابع: «قد يكون انخفاض سعر الذهب إلى ما دون 5000 دولار للأونصة مثيراً للقلق من الناحية الفنية، لكنه لن يؤثر في التفاؤل طويل الأجل».
انسحبت تصريحات الرئيس ترامب على شهية المخاطر لدى المتداولين، بعد أن قال إن الحرب مع إيران على وشك الانتهاء؛ ما انعكس سلباً على أسعار النفط والدولار، وإيجاباً على الأصول الأخرى.
وفي مؤتمر صحفي، دعا ترامب العالم إلى الاستعداد «ليومين مذهلين»، في الوقت الذي وصل فيه قائد الجيش الباكستاني، الذي يلعب دور الوسيط، إلى طهران في محاولة لمنع تجدد الحرب.
وعبرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس عن تفاؤلها بإمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران، لكنها حذرت في الوقت نفسه من زيادة الضغوط الاقتصادية على طهران إذا استمرت في مواقفها المتشددة.
قال كبير المحللين في «كيتكو ميتالز» جيم ويكوف: «يشهد الذهب عمليات جني أرباح معتادة، بعد كل ارتفاع محدود، خوفاً من تصعيد غير متوقع في حرب إيران».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً عندما تحسن الإقبال على المخاطرة، وانخفاضاً خلال فترات العزوف عنها في الجلسات الماضية، وهو ما يتعارض مع الدور التقليدي للمعدن الأصفر كملاذ آمن».
ويركز المتداولون حالياً أكثر على تبعات تشديد السياسة النقدية وضغوط التضخم، مع تزايد عودة توقعات خفض الفائدة بنهاية العام الحالي أو مطلع 2027، في ظل تراجع احتمالات رفعها.
قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي في شيكاغو، أوستان غولسبي: «قد يضطر المجلس إلى الانتظار حتى 2027 لخفض أسعار الفائدة، إذا أدى استمرار ارتفاع أسعار النفط بسبب حرب إيران إلى تأخير وصول التضخم إلى هدف البنك».
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لـ «سي.إم.إي»، تتوقع السوق حالياً احتمالاً بنسبة 30% لخفض أسعار الفائدة الأميركية هذا العام.
وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى التأثير سلباً على الذهب، من خلال زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر عائداً، بما يقلص جاذبية الذهب كأداة للتحوط من التضخم.
وبين هدنة لم تُحسم، ونفط لا يزال مرتفعاً، وفائدة لم تُحسم وجهتها، يتحرك الذهب في منطقة مفتوحة، لا تعكس ما يحدث الآن، بل ما يُتوقع أن يحدث لاحقاً.
وفي هذا المشهد، قد لا يكون السؤال ما إذا كان الذهب سيخترق 5000 دولار، بل هل سيحافظ على مكاسبه المحدودة الأخيرة؛ لأن ما يدفع الأسعار الآن ليس الخوف من التصعيد، بل الرهان على نهايته.