logo
اقتصاد

لبنان الرقمي يتحوّل إلى نقدي.. كيف تسيطر «الأكشاك» على المعاملات؟

لبنان الرقمي يتحوّل إلى نقدي.. كيف تسيطر «الأكشاك» على المعاملات؟
صورة لوسط بيروت، لبنان يوم 7 أبريل 2025المصدر: أ ف ب
تاريخ النشر:

يشهد لبنان في السنوات الأخيرة توسعاً متسارعاً في شبكة واسعة من نقاط السحب والإيداع، المعروفة شعبياً بـ«الأكشاك»، التي يديرها وكلاء خدمات نقدية ووكلاء محافظ رقمية، والتي باتت تنتشر في غالبية نقاط البيع، من السوبرماركت والصيدليات إلى المتاجر الصغيرة.

هذا التوسع، الذي طُرح في بداياته كجزء من مسار التحول الرقمي، بدأ يتخذ اتجاهاً مغايراً، إذ أسفر عملياً عن زيادة الاعتماد على النقد داخل الاقتصاد بدلاً من الحدّ منه، وفي توسيع نطاق التعاملات خارج القنوات المصرفية الخاضعة للرقابة.

ويأتي ذلك في سياق أزمة مالية مستمرة أضعفت النظام المصرفي ورفعت مستويات الاعتماد على السيولة الورقية، بما يفرض تحديات إضافية على جهود الضبط المالي والاستقرار النقدي.

أخبار ذات صلة

مقر مصرف لبنان المركزي في العاصمة بيروت يوم 25 أغسطس 2023

قطاع على مشارف الموت.. 75% انكماش رساميل المصارف اللبنانية

اقتصاد «رقمي» بواجهة نقدية

على المستوى العالمي، تُعد المحافظ الرقمية جزءاً من منظومة مدفوعات تهدف إلى تقليل الاعتماد على البنية التحتية التقليدية، وتسهيل العمليات غير النقدية، بما يعزز الكفاءة والشفافية ويخفض كلفة المعاملات.

غير أن النموذج اللبناني اتخذ اتجاهاً مختلفاً، إذ توسعت الشركات المرخصة في نشر نقاط سحب وإيداع داخل المتاجر والأحياء. وهذا ما حوّل المحفظة الرقمية عملياً إلى منصة لتداول النقد—سحباً وإيداعاً—بدلاً من أن تعمل كأداة للدفع الإلكتروني.

لتوضيح العلاقة: المحفظة الرقمية هي تطبيق رقمي على الموبايل لإدارة الرصيد وتحويل الأموال. أما «الكشك» فهو نقطة خدمة مالية صغيرة داخل متجر أو سوبرماركت، يعمل كوسيط بين المستخدم والمحفظة الرقمية، حيث يمكن سحب الكاش من المحفظة أو إيداعه فيها. بمعنى آخر، المحفظة رقمية، لكن الاستخدام الفعلي يعتمد على النقد.

من منظور اقتصادي وتقني، لا يستدعي عمل المحفظة الرقمية هذا العدد الكبير من نقاط التعامل النقدي، إذ إن توسّع البنية المادية يلغي جزءاً كبيراً من مزايا الكفاءة وتقليل التكلفة التي يوفّرها النموذج الرقمي.

أما من الناحية التنظيمية، فإن تضخّم هذه الشبكة يرفع مستويات المخاطر المرتبطة بضعف الامتثال، ويُعيد إنتاج نموذج تقليدي للتعامل النقدي، تعجز معه المنظومة الإلكترونية عن أداء دورها في تطوير المدفوعات وتقليص الاعتماد على السيولة.

من تحويلات المغتربين إلى شبكة «أكشاك»

تاريخياً، اعتمد الاقتصاد اللبناني على تحويلات المغتربين التي أُديرت عبر شبكة محدودة من شركات التحويل المرخّصة، وقد أتاحت هذه البنية التقليدية مستوى مقبولاً من الرقابة والامتثال.

في المقابل، لا يستند التوسّع الحالي في «الأكشاك» إلى تطور طبيعي في الطلب، بل إلى متغيرات هيكلية فرضتها الأزمة المالية: تنافس الشركات على حجم العمليات، وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي، واستفادة الوكلاء من العمولات ضمن اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النقد.

أدّى ذلك إلى نشوء شبكة مفرطة الاتساع تعكس مشكلات الحوافز داخل القطاع المالي أكثر مما تعكس احتياجات المستهلكين، ويستند معظم هذا الانتشار إلى غياب البديل المصرفي الفاعل، وليس إلى دينامية طبيعية في استخدام المحافظ الرقمية.

مقر مصرف لبنان المركزي في العاصمة بيروت يوم 25 أغسطس 2023
مقر مصرف لبنان المركزي في العاصمة بيروت يوم 25 أغسطس 2023. المصدر: (أ ف ب)

«أكشاك» تُعمّق الاقتصاد ال«نقدي»

التوسع المستمر في عدد «الأكشاك» يؤدي إلى زيادة الاعتماد على العمليات النقدية، ما يساهم في توسيع نطاق التداول خارج القنوات المصرفية الخاضعة للرقابة. ومع تكاثر نقاط السحب والإيداع، تتعزز ملامح اقتصاد موازٍ يعمل ضمن إطار قانوني شكلي، لكنه يفتقر فعلياً إلى مستويات المراقبة والتنظيم التي تفرضها النظم المالية الرسمية.

وتبرز خطورة هذا الواقع عند النظر إلى البنية التشغيلية لهذه «الأكشاك»، حيث يفتقر معظم العاملين إلى التدريب المتخصص في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT) وإجراءات التحقق من الهوية (KYC). كما يعتمد نموذج الدخل المتّبع فيها على حجم المعاملات وسرعة إنجازها، ما يقلل الحوافز للالتزام بالضوابط الرقابية ويزيد من احتمال تجاهل مؤشرات المخاطر.

في مثل هذه البيئة التشغيلية، يصبح الامتناع عن إنجاز معاملة مشبوهة قراراً ذا تكلفة مباشرة على الموظف أو صاحب الكشك، مما يحوّل الامتثال إلى عبء اقتصادي بدل أن يكون جزءاً من إطار العمل. كما أن الوقائع المتكررة التي تُجرى فيها عمليات باستخدام هوية الموظف نفسه عند غياب أوراق العميل، تعكس اختلالاً هيكلياً في تصميم الخدمة وآليات الحوافز، بما يعزز موقعه كنقطة ضعف محتملة داخل المنظومة المالية.

تعارض مع المعايير الدولية

يتماشى هذا الواقع بدرجة قليلة مع الممارسات الدولية، حيث تُقدَّم خدمات المحافظ الرقمية عادةً عبر منصات إلكترونية، وتُدار العمليات النقدية عبر مؤسسات مالية مرخّصة أو آلات مخصصة فقط. ولا تكلف الدول موظفي المتاجر غير المالية بأي شكل من أشكال الامتثال المالي، نظراً لتأثير ذلك على مخاطر غسل الأموال.

وتحذّر مجموعة العمل المالي (FATF) من توسّع الأنشطة النقدية عبر وسطاء غير مؤهّلين، وتعتبره مؤشراً مرتفع المخاطر. وإذا لم يشدّد لبنان الرقابة، قد يواجه تدقيقاً أعمق من المجموعة أو خطر الإدراج على «القائمة الرمادية»، وهو تصنيف ينعكس سلباً على بيئة الاستثمار، وعلى تدفق تحويلات المغتربين التي تشكل أحد أهم مصادر العملة الصعبة.

تعاميم مصرف لبنان وتوصيات صندوق النقد

أصدر مصرف لبنان تعاميم عدة لتنظيم المحافظ الرقمية وتشديد ضوابط التعامل النقدي، في محاولة لمواءمة الإطار المحلي مع توصيات صندوق النقد الدولي. غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بقدرة الجهات الرقابية على التنفيذ الميداني، وهو تحدٍ كبير نظراً لانتشار «الأكشاك» داخل بيئات تجارية تفتقر إلى قواعد الامتثال أو البنى التنظيمية.

وفي ظل نموذج يعتمد على العمولات وسيولة فورية، يمكن أن تواجه أي محاولة تشدد مقاومة مباشرة من الوكلاء، ما يقلل من فعالية القواعد التنظيمية الجديدة.

خارطة طريق إصلاحية مطلوبة

تشير تقارير البنك الدولي الموجّهة إلى لبنان إلى أن الخروج من الأزمة المالية الممتدة يتطلب مساراً إصلاحياً شاملاً يرتكز على إعادة هيكلة القطاعين المالي والمصرفي وتنظيم حركة النقد داخل الاقتصاد للحد من توسّع الأنشطة الواقعة خارج الأطر الرسمية.

وتُظهر التقديرات الدولية أن بلوغ نمو يقارب 4.7% في عام 2025 يبقى مشروطاً بتنفيذ إصلاحات نقدية ومالية عميقة تعيد بناء الثقة وتحدّ من حجم الاقتصاد الموازي، ما يجعل معالجة منظومة «الأكشاك» جزءاً أساسياً من أي خطة إصلاحية، نظراً لدورها المتنامي في إدارة التدفقات النقدية خارج النظام المصرفي.

أخبار ذات صلة

سبيكة ذهب معروضة داخل متحف العملات في مصرف لبنان، بيروت، 6 نوفمبر 2014.

هل يلجأ لبنان إلى بيع الذهب للخروج من أزمته المالية؟

إعادة تنظيم قطاع المدفوعات

يستدعي تنظيم هذا القطاع وضع خارطة طريق واضحة تبدأ بخفض العدد المفرط لوكلاء التحويل النقدي لإعادة المعاملات إلى نطاق قابل للرقابة والحدّ من التشتت التنظيمي.

كما يُعدّ إخضاع العاملين لبرامج تدريب متخصصة ودورية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT) وإجراءات التحقق من الهوية (KYC) خطوة ضرورية لضمان امتثال يوازي المعايير المفروضة على المؤسسات المالية النظامية.

وفي موازاة ذلك، يصبح إنشاء وحدة رقابية متخصصة ضمن مصرف لبنان أو إطار مستقل أمراً ملحّاً، تتمتع بصلاحيات التفتيش الميداني المفاجئ ومراجعة السجلات التشغيلية وتطبيق العقوبات عند وقوع المخالفات.

ويشكّل ربط نقاط الخدمة بالنظام المصرفي الرقمي عنصراً محورياً لضمان تتبّع حركة السيولة وتعزيز الشفافية، الأمر الذي يحدّ من المساحات الرمادية التي يعمل فيها الاقتصاد غير الرسمي.

وعلى المدى المتوسط، يمثل الانتقال من نموذج «النقد عبر التطبيق» إلى استخدام المحافظ الإلكترونية كأدوات دفع فعلية خطوة مكملة لهذا المسار، عبر خفض تكلفة العمليات الرقمية، وتقديم حوافز للمستخدمين، وتوسيع قبول المدفوعات الإلكترونية في المؤسسات الحكومية والخدمات العامة، بما يسهم في ترسيخ منظومة دفع أكثر تنظيماً ويدعم إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف