logo
اقتصاد

أسعار القهوة ترتفع 95% في عام واحد.. لماذا هذا الارتفاع الجنوني؟

أسعار القهوة ترتفع 95% في عام واحد.. لماذا هذا الارتفاع الجنوني؟
منتجة القهوة نيد بيشوتو تنتقي حبوب القهوة بمزرعة في سانتو أنطونيو دو أمبارو، بولاية ميناس جيرايس البرازيلية، يوم 15 مايو 2024.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تشهد صناعة القهوة العالمية تحوّلاً جذرياً يعيد رسم خريطة القيمة في واحدة من أكثر السلع تأثيراً في الاقتصاد العالمي بعد النفط. فالقهوة، التي طالما جسّدت اختلالات تجارية بين الدول المنتِجة والمستهلكة، أصبحت اليوم مرآة لأزمة أعمق تتعلق بكيفية توزيع الثروة.

تُزرع الحبوب في مناطق تحت ظروف مناخية قاسية وتكاليف إنتاج متزايدة، بينما تُستهلك في مناطق أخرى حيث تتضاعف قيمتها عبر التحميص والتعبئة والعلامات التجارية. وتنشأ بين هذين القطبين فجوةٌ متسعة تُنقل فيها الثروة من المنتج إلى المستهلك، ويتحوّل فيها المزارع من صانعٍ للثروة إلى مجرد بندٍ في حساب الكلفة.

هذا الخلل التاريخي، الذي يسميه الخبراء «الاستعمار الاقتصادي الجديد»، لم يعد محصوراً في الجغرافيا، بل أصبح بنيوياً في طريقة تسعير القهوة وتداولها. فمع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وتراجع المحاصيل في الدول المنتجة، تتسع فجوة القيمة بين «من يزرع القهوة ومن يبيعها»، ما يفرض مراجعة جذرية لآليات السوق نفسها.

وفق بيانات المنظمة الدولية للقهوة (ICO)، بلغ مؤشر أسعار القهوة 354.32 سنتاً أميركياً للرطل في فبراير 2025، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة قاربت الـ95% مقارنة بنفس الشهر من عام 2024.

أخبار ذات صلة

عامل يختار حبوب القهوة خلال موسم الحصاد في مزرعة تقع في إسبيريتو سانتو دو بينيال، على بُعد 200 كيلومتر شرقي ساو باولو، البرازيل.

رسوم ترامب وجفاف البرازيل يشعلان أسعار القهوة عالمياً

سوق تُدار بالمضاربات لا بالقيمة

تعتمد تجارة القهوة اليوم على العقود المستقبلية في بورصات عالمية، حيث تحدد الأسعار بناءً على توقعات الطقس وسعر الدولار أكثر مما تستند إلى الجهد الزراعي أو جودة الحبوب. هذا الفصل بين السعر الحقيقي وتكلفة الإنتاج جعل المزارع في مواجهة يومية مع مخاطر لا يستطيع التحكم فيها.

وتوضح إرمينيا نوداري، العضو في مجلس الخبراء لدى «التحالف العالمي القهوة المستدامة» (SFCC)، وهي مبادرة عالمية منبثقة عن حركة «سلو فود» (Slow Food) الإيطالية للدعوة إلى نظام غذائي عادل ومستدام، أن المشكلة لا تكمن فقط في الفوارق بين المنتج والمستهلك، بل في البنية المالية للسوق نفسها.

وفي تصريحٍ نشرته المنصة الرسمية للمبادرة، قالت: «المستهلكون يحددون خياراتهم وفق السعر، لا وفق المعرفة، بينما يُجبر المنتجون على البيع في نظامٍ لا يعترف بجودة عملهم. إنهم عالقون في دائرة تسعيرٍ تُدار بالمضاربات لا بالجهد».

وترى نوداري أن استعادة التوازن تبدأ من إعادة القهوة إلى منطق الإنتاج الزراعي ذي الهوية، حيث تُقاس القيمة بالاستدامة والشفافية وسلسلة التوريد الأخلاقية، لا بالمؤشرات اليومية في البورصات.

ملعقة تحتوي على قهوة سريعة التحضير
ملعقة تحتوي على قهوة سريعة التحضير المصدر: غيتي إيمجز

اقتصاد بديل ينمو من الجذور

من هذا الفراغ وُلدت فكرة «القهوة المتخصصة»؛ وهي اتجاه اقتصادي تصحيحي يسعى إلى إصلاح السوق من الداخل، من خلال إعادة تعريف القهوة كمنتجٍ زراعي وثقافي، لا سلعة مالية تُسعَّر بالمضاربة.

يجمع هذا الاتجاه منتجين ومحمّصين ومستوردين في شبكةٍ تعتمد مبادئ الزراعة بالغابات (Agroforestry) والممارسات البيئية التي تحافظ على خصوبة التربة والتنوع الحيوي. ويقوم على إعادة توزيع القيمة داخل سلسلة التوريد بحيث لا يبقى المزارع مجرد مورد خام، بل يصبح شريكاً في إنشاء المنتج النهائي.

وتتمثل الفكرة في بناء نظامٍ يُسعّر القهوة وفق جودتها وأصلها وطريقة إنتاجها، بما يضمن للمزارعين دخلاً مستقراً بعيداً عن تقلبات السوق المالية.

مزارعون بين الأمل والمخاطر

أدّى ارتفاع أسعار القهوة في الفترة الأخيرة إلى تحسّن مؤقت في مداخيل المزارعين بعد سنوات من الأسعار المنخفضة، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة النظام التجاري الذي يربط المنتج بالمستهلك.

في إندونيسيا مثلاً، أتاح الارتفاع للمزارعين هامشاً أكبر لتقدير قيمة محاصيلهم بصورة أكثر إنصافاً. غير أن هذا التحسّن لم يكن شاملاً؛ ففي المكسيك، استغلت شركات كبرى الطفرة السعرية لشراء ثمار البن الخام مباشرة من المزارعين في الحقول، متجاوزة التعاونيات وأنظمة التسعير الجماعي، ما أدّى إلى تآكل هوامش المنتجين الصغار رغم ارتفاع الأسعار.

في المقابل، أظهرت تجارب أخرى في أميركا اللاتينية وجهاً أكثر توازناً، إذ لجأ المزارعون الصغار إلى نماذج تعاون داخلي لتوزيع المخاطر وضمان الحد الأدنى من الإنتاج في فترات التقلّب الحاد.

الفرصة العربية في سوق القهوة

تواجه المنطقة العربية التحديات نفسها التي تهز سوق القهوة العالمية، لكن خصوصيتها التاريخية تمنحها موقعاً مميّزاً في خريطة التحوّل نحو الزراعة المستدامة.

ففي اليمن، مهد القهوة الأولى، تراجعت الزراعة خلال العقود الأخيرة بفعل الجفاف والنزاعات وغياب البنية التحتية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت نهضة تدريجية تقودها مبادرات محلية لإحياء البن اليمني كرمز للهوية الوطنية وإدماجه في نموذج التجارة العادلة.

وتستند هذه الجهود إلى استراتيجية «بن اليمن 2019–2025» التي تستهدف رفع الصادرات إلى 50 ألف طن سنوياً بعائدات قد تتجاوز مليار دولار، مع التركيز على توطين التحميص والتعبئة داخل البلاد لرفع القيمة المضافة وتوليد فرص عمل ريفية مستدامة.

أخبار ذات صلة

فنجانك اليومي يزداد كلفة.. القهوة تحلّق لمستويات تاريخية

فنجانك اليومي يزداد كلفة.. القهوة تحلّق لمستويات تاريخية

بين تقلب الأسعار وضغط المناخ

غير أن هذه الطموحات تصطدم بواقع السوق العالمية التي ما تزال رهينة المضاربات والتقلبات المناخية. فبحسب «المنظمة الدولية للقهوة» (ICO)، يبقى المزارعون في الدول العربية من بين الأقل قدرة على التحوّط المالي في مواجهة تقلب الأسعار.

لهذا بدأت بعض التعاونيات، خصوصاً في اليمن، بتوقيع عقود طويلة الأجل مع محامص أوروبية وآسيوية لضمان دخل أكثر استقراراً وشفافية.

ويبرز تغيّر المناخ كأكبر تهديد مستقبلي للإنتاج العربي. فقد ارتفعت كلفة إنتاج القهوة عالمياً بنحو 40% خلال عامين نتيجة الجفاف وندرة المياه، بحسب تقارير «منظمة الأغذية والزراعة» (FAO) و«المنظمة الدولية للقهوة».

ردّاً على ذلك، أطلقت مبادرات دولية مشاريع لتدريب المزارعين في اليمن والمغرب على الزراعة المقاومة للمناخ وإعادة تأهيل المدرجات الجبلية التاريخية، تلك النظم الزراعية التي شيّدها السكان منذ قرون لزراعة البن والحبوب على سفوح الجبال، والتي تمثل اليوم أحد أعمدة الزراعة المستدامة في المنطقة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف