
تفرض تداعيات حرب إيران ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد التونسي، في ظل الارتفاع الحاد لأسعار الطاقة والسلع الأساسية في الأسواق العالمية جراء التوترات في «مضيق هرمز» الحيوي.
وسيبقى اقتصاد تونس الذي يتكبد فاتورة للطاقة، تقدر بنحو 13 مليار دينار (4.49 مليار دولار) في عام 2026، مهدداً بتلك المخاطر في المدى القريب، وفق ما ذكره خبراء اقتصاد في حديث لـ«إرم بزنس» لاسيما مع تأثر محتمل لتحويلات التونسيين بالخارج والسياحة اللذين تعتمد عليهما العملة الصعبة بالبلاد، مما يشكل ضغطاً مالياً وتضخماً، وقد تتفاقم التداعيات حال استمرت الحرب فترة وقد تتأثر قطاعات عدة وترفع أسعار الوقود.
واقترح الخبراء خيارات عاجلة لتخفيف الأزمة منها ترشيد الواردات وتوجيه الدعم للمواد الأساسية والفئات الأكثر هشاشة فقط، وتشجيع ترشيد استهلاك الطاقة وتكوين احتياطيات عاجلة من الوقود والكهرباء والمواد الأساسية لتجنب أي انقطاع، ومراجعة عقود الاستيراد الحالية وتجميد أو تأجيل المشاريع غير الضرورية.
وسجّل سعر النفط الخميس 96.88 دولاراً للبرميل، بعدما وصل برنت إلى 119.50 دولار للبرميل يوم الاثنين في أعلى مستوى منذ منتصف 2022، قبل أن يهبط بعد أن قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير الماضي يمكن أن تنتهي سريعا، وفق ما ذكرته «رويترز».
ونقلت وكالة تونس إفريقيا للأنباء الرسمية الأربعاء تقديرات تشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً سيؤدي إلى زيادة فاتورة الطاقة، خاصة إذا استمرت هذه الوضعية لفترة طويلة.
ووفقاً لهذه التقديرات فإن «عجز الميزان الطاقي في سنة 2025 بلغ -11.1 مليار دينار، أي ما يعادل 50.4% من العجز الإجمالي في الميزان التجاري (-21.8 مليار دينار) وبالتالي أي تفاقم في العجز التجاري قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في نسبة التضخم، وضغوط على الدينار، وتراجع في احتياطي العملة الصعبة، نتيجة زيادة قيمة واردات الطاقة»، وفق الوكالة.
وفي ظل الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة والمواد الأساسية، واستمرار التوترات الجيوسياسية، يواجه الاقتصاد التونسي واحداً من أخطر السيناريوهات الممكنة، وفق ما تذهب إليه الخبيرة الاقتصادية التونسية، خلود التومي، في حديثها لـ«إرم بزنس»، موضحة أن بلدا كتونس يعتمد بشكل كبير على الواردات لا يمكنه أن يبقى بمنأى عن صدمات الأسواق العالمية.
وأول تأثير مباشر لهذه الأزمة يظهر في الميزانية العمومية للدولة، إذ ترفع زيادة أسعار النفط والمواد الأساسية كلفة الدعم بشكل كبير، ما يضع المالية العمومية أمام ضغط إضافي في وقت تعاني فيه الميزانية أصلاً من عجز مرتفع. وكل زيادة في أسعار الطاقة عالمياً تعني إما توسع العجز المالي أو نقل جزء من الكلفة إلى المواطن عبر ارتفاع الأسعار، تضيف التومي.
لكن التحدي الأكبر، بحسب التومي، يكمن في مخزون العملة الصعبة، خاصة وتونس تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من الخارج، سواء في الطاقة أو المواد الأولية أو جزء من الغذاء، ومع ارتفاع الأسعار العالمية ترتفع كلفة الاستيراد.
«وما يزيد الوضع تعقيداً أن جزءاً مهماً من العملة الصعبة في تونس يأتي من تحويلات التونسيين بالخارج والسياحة، وفي ذلك التصعيد يزيد الضغط على التوازنات المالية للبلاد، وفق تقديرات التومي.
وقبل نحو 10 أيام من الحرب في إيران، ارتفعت احتياطيات تونس من العملات الأجنبية بنسبة 7.5% لتصل إلى 25.06 مليار دينار (نحو 8.68 مليار دولار) حتى 17 فبراير 2026، أي ما يعادل 106 أيام من الواردات، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لمؤشرات البنك المركزي التونسي في 18 فبراير الماضي.
كما ارتفعت التحويلات المالية من التونسيين في الخارج (إجمالي دخل العمل) بنسبة 6.7% خلال شهر، لتستقر عند 1,045 مليار دينار في 10 فبراير 2026، مقارنة بـ 979.4 مليون دينار في الفترة نفسها من عام 2025، أما عائدات السياحة، فقد نمت بنسبة 4.4%، لتصل إلى 696.5 مليون دينار في 10 فبراير 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق (667 مليون دينار).
وتحتاج تونس إلى حلول عاجلة قصيرة المدى تشمل، ترشيد الواردات عبر تقليص السلع غير الأساسية، وتوجيه الدعم للمواد الأساسية والفئات الأكثر هشاشة فقط، وتشجيع ترشيد استهلاك الطاقة وتكوين احتياطيات عاجلة من الوقود والكهرباء والمواد الأساسية لتجنب أي انقطاع، ومراجعة عقود الاستيراد الحالية لتأمين التزويد بأسعار قابلة للتحمل، وتجميد أو تأجيل المشاريع غير الضرورية لتحرير السيولة، إعادة توجيه الموارد المالية نحو تأمين المواد الأساسية ودعم القطاعات الحيوية، وفق التومي.
وفي ضوء تلك التطورات السريعة مع حرب إيران بالمنطقة، يعتقد أستاذ الاقتصاد التونسي، رضا الشكندالي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الحرب لو هدأت سريعاً لن يكون هناك تأثير ملموس على الاقتصاد، لكن إذا اتسعت رقعتها وتجاوز النفط إلى ما فوق الـ 100 دولار، وتواصل الارتفاع لآخر 2026، فهذا له تأثير كبير عليه وعلى قيمة الدينار، أما إذا كان ظرفياً، فالتداعيات تكون أقل على مستوى الاقتصاد التونسي، الذي يستورد البترول والغاز ويدعمهما.
وأوضح الشكندالي أن كل دولار زيادة فوق سعر 63 دولارا الفرضية المعتمدة في الميزانية يكبد الدولة خسائر 160 مليون دينار، مشدداً على أن هذا التأثير يقاس بمدى استمرارية هذه الأسعار المرتفعة على مدار سنة كاملة وليس لفترات ظرفية شهراً أو أسبوعين فقط.
وحول احتمالية رفع أسعار البنزين محلياً التي اتجهت لها دول بالمنطقة، أوضح أنه عندما ترتفع أسعار الطاقة عالمياً تلجأ الحكومات عادة لذلك، ولكن رئيس الجمهورية قيس سعيد لا يريد هذا السيناريو عادة ويرى أن رفع الدعم إملاءات من صندوق النقد الدولي ولكن حال اضطرت الدولة لرفع أسعار البنزين بتونس نتيجة الارتفاع العالمي، فإن ذلك سيمس كل القطاعات الإنتاجية دون استثناء لارتباطها بالطاقة، مما سيولد موجة تضخم شاملة، وضغطا على الاقتصاد.
وارتفع معدل التضخم السنوي في تونس من 4.8% في يناير إلى 5% في فبراير، مسجلاً بذلك أول زيادة له بعد أشهر من الانخفاض، وفق بيانات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في 5 مارس الجاري، مرجعا ذلك إلى ارتفاع معدل تطور الأسعار لمجموعة المواد الغذائية بنسبة 6.7% خلال فبراير 2026، مقارنة بـ5.9% خلال يناير 2026.
وليست الطاقة وحدة المتضررة، فهناك قطاعات أخرى، وأوضح الشكندالي أن استمرار الحرب سيضغط على الاقتصاد الأوروبي الشريك الأساسي لتونس، مما يرفع التضخم في أوروبا ويمس المقدرة الشرائية للتونسيين العاملين هناك وكذلك في دول الخليج، وهو ما سيؤثر على تحويلات التونسيين بالخارج التي بلغت 8.7 مليار دينار في 2025، وكذلك قطاع السياحة الذي يمنح مداخيل تناهز 8 مليارات دينار.
ونبه الشكندالي إلى أن تفاقم الكلفة على الميزانية قد يدفع الدولة للجوء إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي كما فعلت في السنوات السابقة، وهو ما يعني ضخ سيولة نقدية دون مقابل بنمو حقيقي في الثروة، مما يولد تضخماً مالياً إضافياً.