75 مليون طن بضائع و2.46 مليون حاوية سنوياً

في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بفعل التقلبات الجيوسياسية، وعدم اليقين الاقتصادي، وتسارع التحول نحو إزالة الكربون، لم يعد يُنظر إلى الموانئ على أنها مجرد نقاط لعبور السفن والبضائع. بل بات يُقاس دورها بقدرتها على ترسيخ النشاط الصناعي، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتوليد قيمة اقتصادية وطنية مستدامة على المدى الطويل.
وقد نجح «ميناء صحار والمنطقة الحرة» في سلطنة عُمان في ترسيخ مكانتهما كنموذج متقدم لهذا التحول. فبدلاً من الاكتفاء بالمنافسة كمركز تقليدي لإعادة الشحن يعتمد على أحجام المناولة وعدد السفن، تبنّى الميناء استراتيجية صناعية طويلة الأجل تقوم على دمج البنية الأساسية للميناء العميق مع أنشطة التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة. والنتيجة هي منظومة صناعية مترابطة تُحقق قيمة مضافة تتجاوز حدود الأرصفة.
بدأت ثمار هذا النهج بالظهور بوضوح، إذ بات «ميناء صحار والمنطقة الحرة» يُنظر إليهما كمكوّن أساسي في البنية الاقتصادية الوطنية، وليس مجرد مرفق لوجستي تقليدي.
وتُظهر المؤشرات التشغيلية والاقتصادية حجم هذه المنظومة، حيث تتم عبر الميناء مناولة أكثر من 75 مليون طن من البضائع سنوياً، فيما تتمتع محطة الحاويات بطاقة استيعابية تصل إلى 2.46 مليون حاوية سنوياً، مع استقبال أكثر من 3,000 سفينة كل عام، بحسب بيانات رسمية صادرة عن «ميناء صحار والمنطقة الحرة».
وفي السياق ذاته، تشير تقارير تشغيلية وإفصاحات استثمارية للمنظومة إلى أن حجم التبادل التجاري الذي تمر به يقدَّر بنحو 44 مليار دولار أميركي سنوياً، في حين تجاوز إجمالي الاستثمارات القائمة فيها 30 مليار دولار. وتمتد المنطقة على مساحة إجمالية تبلغ 6,720 هكتاراً، وتسهم بنحو 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان، إلى جانب دعمها لأكثر من 42 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
رغم أهمية المؤشرات التشغيلية في إبراز حجم المنظومة وتأثيرها الاقتصادي، بحسب مسؤولين في إدارة «ميناء صحار والمنطقة الحرة»، فإن قياس النجاح لا يكتمل بالاعتماد على الأرقام التقليدية وحدها، مثل عدد السفن أو حجم البضائع أو إنتاجية الرافعات. فهذه المؤشرات، على أهميتها، تمثل جزءاً من صورة أوسع، يُراهن فيها الميناء على استدامة القاعدة الصناعية أكثر من الرهان على أحجام المناولة نفسها.
اليوم، يُقاس النجاح في «ميناء صحار» بعمق القاعدة الصناعية، واستدامة التزام المستثمرين، وحجم القيمة المضافة الناتجة عن الأنشطة اللاحقة. وتعمل المرحلتان الأولى والثانية من المنطقة الحرة بنسبة إشغال تقارب 85%، ما يعكس، وفق الإدارة، طلباً صناعياً طويل الأجل، لا استثمارات مؤقتة أو مضاربات على الأراضي، إذ إن غالبية المستأجرين هم شركات تصنيع ومعالجة وطاقة رسّخت وجودها داخل المنظومة.
ويُعد هذا الاستقرار عاملاً حاسماً في تعزيز مرونة الميناء، إذ توفر الأنشطة الصناعية تدفقات بضائع منتظمة وفرص عمل مستدامة، وتحدّ من تأثير التقلبات قصيرة الأجل في التجارة العالمية، كما يعزز توافق المنظومة مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040» في مجالات التنويع الاقتصادي وتنمية المهارات والنمو المستدام.
يتميّز نموذج «ميناء صحار» بالتكامل الوثيق بين الميناء والمنطقة الحرة على المستويين التشغيلي والفعلي. ويترجم هذا التكامل إلى مكاسب واضحة في التكلفة والوقت والكفاءة بالنسبة للمستثمرين.
الممر الجمركي المربوط مباشرة بين الأرصفة والمصانع يتيح نقل البضائع خلال نحو 14 دقيقة فقط، ما يقلل من عمليات المناولة وتكاليف النقل البري ويُسرّع بدء الإنتاج. كما يسهم ذلك في خفض مستويات المخزون وتسريع دورات الإنتاج وتقليل رأس المال العامل.
وعلى الصعيد الإداري، توفر «النافذة الواحدة» في «ميناء صحار» منصة موحدة للتراخيص والتصاريح والإجراءات الجمركية، ما يقلّص فترات التأسيس ويخفف التعقيدات التنظيمية أمام المستثمرين الجدد. كما تستفيد الشركات من نظام التجمعات الصناعية، حيث تحصل صناعات البتروكيماويات والمعادن والبلاستيك والتغليف على موادها الخام في الوقت المناسب، بينما تشترك شركات الأغذية في مرافق التخزين البارد والخدمات اللوجستية.
وقد عزز التحول الرقمي هذه الكفاءة، إذ أسهم إطلاق نظام إدارة الموانئ «مراسي» في يناير 2025 في تقليص زمن دوران السفن بنسبة 15% وخفض المعاملات الورقية بنسبة 90%، ما حسّن الشفافية وقابلية التنبؤ في العمليات.
تشهد سلاسل الإمداد العالمية تحولاً هيكلياً نحو الإقليمية وتعدد المسارات والقرب من مصادر المواد الخام. ويتماشى نموذج «ميناء صحار» الصناعي مع هذه الاتجاهات بشكل وثيق.
فموقع الميناء خارج مضيق هرمز يمنحه ميزة جيوسياسية وتشغيلية، ويوفر بديلاً أقل ازدحاماً وأكثر استقراراً لخطوط الشحن التقليدية في الخليج. كما يتيح الوصول البحري المباشر إلى أسواق رئيسية للمواد الخام مثل البرازيل والهند وتايلاند، ما يمكّن الشركات من توطين جزء أكبر من سلاسل الإمداد الخاصة بها.
وعلى الرغم من الاضطرابات التي شهدتها بعض ممرات التجارة الإقليمية في النصف الأول من عام 2025، تعامل «ميناء صحار» مع نحو 34 مليون طن متري من البضائع، ما يعكس متانة نموذجه التشغيلي. ومن المتوقع أن تعزز وصلة سكة حديد «حفيت» المستقبلية هذه المكانة عبر ربط الميناء بالشبكة الوطنية للسكك الحديدية في دولة الإمارات.
يعتمد نهج «ميناء صحار والمنطقة الحرة» على تحقيق توازن دقيق بين التوسع المدروس والحفاظ على التنافسية التجارية. فالمنطقة الحرة توفر حزمة متكاملة من الحوافز تشمل الملكية الأجنبية الكاملة، وإعفاءات ضريبية طويلة الأجل، ومرافق تخزين جمركي، إضافة إلى تعرفة تنافسية للطاقة والمياه، ما يجعلها وجهة جاذبة للاستثمار الصناعي طويل الأمد.
في المقابل، لا يقوم هذا التوسع على تطوير مضاربي، بل على استجابة مباشرة للطلب الفعلي من المستثمرين. وقد انعكس ذلك في توقيع المنطقة الحرة، خلال النصف الأول من عام 2025، ست اتفاقيات جديدة لتأجير أراضٍ تتجاوز مساحتها 92 هكتاراً، بإجمالي استثمارات تقدّر بأكثر من 1.3 مليار دولار أميركي، تركز على قطاعات التصنيع الأخضر والطاقة والخدمات اللوجستية.
ويتكامل هذا النمو الاستثماري مع توجه واضح نحو الاستدامة، حيث تُدمج حلول كفاءة الطاقة، وإعادة استخدام المياه، والخدمات البيئية المشتركة ضمن البنية الصناعية للميناء. كما تشكّل مشروعات الطاقة النظيفة والوقود منخفض الانبعاثات، مثل مشروع «مرسى» للغاز الطبيعي المسال واستثمارات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، ركائز أساسية في استراتيجية النمو المستقبلية للمنظومة.
مع دخول عام 2026، يتجه «ميناء صحار والمنطقة الحرة» نحو مرحلة جديدة تركز على التصنيع المتقدم والطاقة النظيفة والخدمات اللوجستية الرقمية. وسيبقى جوهر هذا التطور قائماً على بناء منظومة متكاملة تربط بين الإنتاج والطاقة والتجارة في بيئة واحدة.
وفي وقت تُعاد فيه صياغة سلاسل الإمداد العالمية، يقدّم «ميناء صحار والمنطقة الحرة» نموذجاً واضحاً لكيفية بناء موانئ صناعية قادرة على لعب الدور طويل الأمد، ليس فقط في نقل البضائع، بل في إيجاد قيمة اقتصادية مستدامة للمستقبل.