
لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهات عسكرية تدور في ساحات القتال، بل أصبحت قوة اقتصادية قادرة على إعادة تشكيل الصناعات والأسواق المالية وحتى مدخرات التقاعد حول العالم.
ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت آثار الصراع تظهر في عدة مسارات اقتصادية رئيسية، أبرزها ارتفاع تكلفة العمليات العسكرية، وتقلب الأسواق العالمية، وصعود قطاعات تكنولوجية جديدة على رأسها الأمن السيبراني.
فالحروب المعاصرة لا تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل تمتدّ أيضاً إلى أسواق الطاقة والعملات والأسهم، وهي عناصر تشكل بدورها أساس المحافظ الاستثمارية التي تدير تريليونات الدولارات من مدخرات العمل والمتقاعدين حول العالم.
تعتمد الجيوش الحديثة اليوم على شبكة واسعة من القدرات التكنولوجية التي تتجاوز بكثير تكلفة الأسلحة التقليدية. فإلى جانب الطائرات والصواريخ، تشمل العمليات العسكرية أنظمة الاستطلاع الفضائي والاتصالات العسكرية وشبكات القيادة والسيطرة الرقمية.
وقد انعكس هذا التحول مباشرة على تكلفة الحروب. فوفق تحليل يستند إلى دراسات اقتصاد الحروب، يمكن أن تصل تكلفة إيقاع خسائر بشرية في صفوف الخصم في النزاعات الحديثة إلى ما بين 25 مليوناً و35 مليون دولار لكل قتيل عند احتساب التكلفة الإجمالية للعمليات العسكرية.
وتوضح تجارب الحروب الأخيرة حجم هذا الارتفاع، فقد قدّرت تحليلات للحرب في أفغانستان أن تكلفة تصفية مقاتل من حركة طالبان بلغت نحو 50 مليون دولار عند احتساب جزء من التكاليف المباشرة فقط، وقد ترتفع إلى نحو 150 مليون دولار إذا أضيفت النفقات غير المباشرة مثل الدعم اللوجستي والرعاية الطبية للجنود والمتقاعدين العسكريين.
ويرى خبراء اقتصاد الدفاع أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة لا يرتبط بسعر السلاح الفردي، بل بالبنية التكنولوجية التي تدير المعركة، والتي تشمل الأقمار الصناعية وأنظمة الاستطلاع والطائرات المسيّرة وشبكات الاتصالات العسكرية.
كما لعبت شركات الصناعات الدفاعية دوراً محورياً في هذا الاقتصاد العسكري المتضخم. فشركات مثل «لوكهيد مارتن» (Lockheed Martin) و«رايثيون» (Raytheon) تحصل على جزء كبير من ميزانيات الدفاع الأميركية، وغالباً ما تعمل وفق عقود «التكلفة زائد هامش الربح»، حيث يتم تعويض الشركة عن تكاليف الإنتاج إضافة إلى هامش ربح محدد.
لكن تأثير الحروب لا يتوقف عند ميزانيات الدفاع، بل يمتد بسرعة إلى الأسواق المالية التي تشكل العمود الفقري لمدخرات التقاعد حول العالم.
فصناديق التقاعد العالمية تدير تريليونات الدولارات وتستثمر جزءاً كبيراً من أموالها في الأسهم والسندات وأسواق الطاقة. وعندما تؤدي الصدمات الجيوسياسية إلى تقلب هذه الأسواق، ينعكس ذلك مباشرة على العوائد طويلة الأجل لهذه المحافظ الاستثمارية.
ومع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، شهدت الأسواق العالمية تحركات حذرة. فقد تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» (S&P 500) بنحو 1.5% في إحدى جلسات التداول مع بداية التصعيد قبل أن يستعيد جزءاً من خسائره لاحقاً، في إشارة إلى قلق المستثمرين من اتساع نطاق الصراع.
ويرى محللون أن تأثير الحروب على المحافظ الاستثمارية يظهر عادة عبر ثلاث قنوات اقتصادية رئيسية: تقلب أسعار الأسهم، وضعف العملات، وارتفاع أسعار الطاقة.
وتبرز الطاقة باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في هذا السياق. فقد تجاوز سعر خام برنت لفترة وجيزة 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر الخليج.
وإذا استمر ارتفاع الأسعار لفترة طويلة، فقد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن زيادة مستدامة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تخفض النمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.1 إلى 0.2 نقطة مئوية، بينما قد ترفع معدلات التضخم بنحو 0.4 نقطة مئوية.
ورغم هذه المخاطر، يؤكد مديرو الأصول أن الصدمات الجيوسياسية نادراً ما تؤدي إلى انهيارات دائمة في الأسواق، إذ تميل المحافظ الاستثمارية المتنوعة إلى امتصاص الصدمات على المدى الطويل.
إلى جانب الصناعات الدفاعية التقليدية، بدأت قطاعات تكنولوجية جديدة تستفيد من طبيعة الحروب الحديثة، وعلى رأسها قطاع الأمن السيبراني.
فمع انتقال جزء متزايد من الصراعات إلى الفضاء الرقمي، أصبحت الهجمات السيبرانية أداة أساسية في المواجهات الجيوسياسية، حيث تستهدف شبكات الاتصالات والأنظمة المالية والبنية التحتية الرقمية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة حجم هذا البعد الرقمي للحرب. فبعد بدء العمليات العسكرية ضد إيران، أظهرت بيانات منظمة «نت بلوكس» (NetBlocks) لمراقبة الإنترنت أن مستوى الاتصال بالإنترنت في البلاد تراجع إلى نحو 4% فقط من مستواه الطبيعي، ما يعني تعطّل نحو 96% من حركة الإنترنت.
ويعزز هذا الواقع الطلب على شركات الأمن السيبراني التي تقدم حلولاً لحماية الشبكات الحكومية والبنية التحتية الحيوية.
ومن بين الشركات التي يتوقع أن تستفيد من هذا الاتجاه شركات مثل «بالو ألتو نتوركس» (Palo Alto Networks) و«كراود سترايك» (CrowdStrike) و«تشيك بوينت سوفتوير» (Check Point Software) و«كلاودفلير» (Cloudflare).
كما انعكس هذا الاهتمام على أداء صناديق الاستثمار المتداولة في هذا القطاع. فقد ارتفع صندوق «فيرست ترست ناسداك» (First Trust Nasdaq ETF) للأمن السيبراني بنحو 5% خلال الأسبوع الأول من مارس، متفوقاً على الأداء شبه المستقر لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الفترة نفسها.
تكشف الحرب في الشرق الأوسط عن تحول أوسع في العلاقة بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي.
فارتفاع تكلفة العمليات العسكرية يعزز دور الصناعات الدفاعية، بينما تؤدي تقلبات الطاقة والأسواق المالية إلى إعادة توزيع الاستثمارات داخل المحافظ العالمية. وفي الوقت نفسه، تفتح طبيعة الصراع الحديثة المجال أمام قطاعات جديدة مثل الأمن السيبراني لتصبح جزءاً أساسياً من اقتصاد الحروب.
وبهذا المعنى، لم تعد الحروب مجرد مواجهات عسكرية بين الدول، بل أصبحت قوة اقتصادية قادرة على إعادة تشكيل خريطة الصناعات والاستثمارات حول العالم.