
في عام 2025، لم يعد من الممكن التعامل مع صناعة المحتوى الرقمي في الشرق الأوسط والعالم العربي بوصفها ظاهرة إعلامية موازية أو أداة تسويق تكميلية، بل باتت تشكّل إحدى البنى الفاعلة داخل الاقتصاد الرقمي، بما تحمله من قدرة على تحريك الطلب، وبناء الثقة، وتحويل الانتباه إلى قيمة تجارية قابلة للقياس.
وتستند هذه الديناميكية إلى قاعدة رقمية واسعة، فالعالم العربي يضم في 2025 نحو 348 مليون مستخدم للإنترنت، من بينهم 228 مليون مستخدم نشط على منصات التواصل الاجتماعي، ما يجعل هذه المنصات فضاءً مركزياً لاستهلاك المحتوى، وتشكّل القرارات الشرائية.
ضمن هذا المشهد، يتباين توزيع المنصات بحسب الجغرافيا؛ إذ تتصدر منصة «تيك توك» (TikTok) معدلات الاستخدام والتفاعل في دول الخليج، بينما تحتفظ «فيسبوك» (Facebook) و«يوتيوب» (YouTube) بثقل واضح في مصر وشمال إفريقيا، وهو تباين يعكس اختلاف أنماط الاستهلاك الرقمي، ومستويات النضج التجاري بين الأسواق العربية.
في ظل هذا الاتساع، أعادت العلامات التجارية النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع صُنّاع المحتوى. فالنموذج القائم على شراء منشورات أو حملات قصيرة الأجل، دون ارتباط واضح بالنتائج التجارية، أثبت محدوديته في بيئة رقمية مزدحمة ترتفع فيها كلفة الوصول وتنخفض فيها الثقة بالإعلانات التقليدية. في المقابل، بدأت تتبلور مقاربة أكثر نضجاً، يُنظر فيها إلى صانع المحتوى كشريك في إنتاج القيمة، لا كمساحة نشر مؤقتة.
لم يبقَ هذا التحول في إطار الخطاب النظري، بل انعكس مباشرة على آليات التعاقد والقياس، حيث أصبحت الشراكات الأطول أمداً، وربط التعويض بالأداء، والمشاركة في التخطيط والتنفيذ، عناصر أساسية في إستراتيجيات العلامات التي تسعى إلى نتائج قابلة للقياس.
ونتيجة لذلك، استطاعت الشركات تقليل الكلفة اللازمة لتحويل المشاهدة إلى شراء، وزيادة نسبة المستهلكين الذين ينتقلون فعلياً من التفاعل إلى القرار الشرائي، إضافة إلى بناء حضور أكثر ثباتاً في وعي الجمهور، في وقت أصبحت فيه الحملات السريعة والمباشرة عاجزة عن إنتاج تأثير تجاري طويل الأمد.
تقدّم دول الخليج مثالاً واضحاً على هذا التحول. ففي عام 2025، بلغ عدد المؤثرين وصُنّاع المحتوى في دول مجلس التعاون الخليجي 263,000 صانع محتوى، مقارنة بنحو 150,000 في العام 2023، أي بزيادة تقارب 75٪ خلال عامين فقط. هذا النمو السريع لا يعكس توسعاً عددياً فحسب، بل يشير إلى تصاعد الطلب من العلامات التجارية على خدمات المبدعين، وإلى انتقال المحتوى من نشاط جانبي إلى مكوّن أساس في الخطط التسويقية والتجارية.
في الوقت نفسه، أدى هذا التوسع إلى فرز طبيعي داخل السوق. فالقيمة لم تعد مرتبطة بحجم المتابعة وحده، بل بقدرة صانع المحتوى على التأثير داخل مجتمعات رقمية محددة، وتحويل هذا التأثير إلى سلوك شرائي. وقد دفع هذا التحول العلامات التجارية إلى إعادة توزيع ميزانياتها بعيداً عن الحملات واسعة الانتشار، نحو شراكات أكثر دقة واستهدافاً، حتى وإن كانت أقل حجماً من حيث الوصول الاسمي.
يتعزز هذا الاتجاه مع تحوّل المنصات الاجتماعية نفسها إلى قنوات بيع متكاملة، اذ أصبحت «تيك توك»، التي تضم في 2025 نحو 1.59 مليار مستخدم نشط شهرياً عالمياً، وبمعدل نمو سنوي يقارب 6.8٪، إحدى أكثر المنصات تأثيراً في السلوك الاستهلاكي. وفي مصر وحدها، يستخدم التطبيق أكثر من 41.5 مليون شخص، أي ما يقارب 40٪ من السكان، وهو ما يجعل منصة واحدة قادرة على الوصول إلى كتلة جماهيرية ضخمة قابلة للتحويل إلى مبيعات عبر إستراتيجيات محتوى فعّالة.
وفي السعودية، حيث يوجد نحو 29 مليون مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي على منصات، مثل: «تيك توك» و«إنستغرام» (Instagram) و«سناب شات» (Snapchat)، لم تعد هذه المنصات تُستخدم للتفاعل الاجتماعي فقط، بل أصبحت مساحة أساسية لاكتشاف العلامات التجارية، ومقارنة المنتجات، واتخاذ قرارات الشراء.
وقد غيّر هذا المسار طبيعة المحتوى نفسه، إذ دمج البث المباشر، والتجارة الاجتماعية، وتجارب «التسوّق الترفيهي» الإعلانَ والتجربةَ والبيعَ في بنية واحدة، تُدار ضمنها الثقة والزمن والانتباه داخل المنصة ذاتها.
لم يعد الأثر الاقتصادي لهذا التحول افتراضياً، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن نشاط صُنّاع المحتوى على «تيك توك» ساهم في الاقتصاد السعودي بنحو 3.9 مليار ريال سعودي خلال عام واحد، من خلال الإعلانات، والتجارة الرقمية، والوظائف المرتبطة بصناعة المحتوى، والفعاليات، والخدمات الداعمة.
ويعكس هذا الرقم انتقال المنصات الاجتماعية من دور إعلامي داعم إلى مكوّن فعلي داخل الناتج الرقمي، قادر على توليد قيمة اقتصادية مباشرة تتجاوز مؤشرات التفاعل والانتشار، كما يرسّخ موقع اقتصاد المبدعين ضمن القطاعات الرقمية المنتجة، لا كظاهرة ثقافية عابرة أو نشاط إعلامي هامشي.
تزامن توسّع صناعة المحتوى مع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي مكّنت من إنتاج كميات هائلة من المحتوى خلال وقت قصير وبتكلفة منخفضة. هذا التطور رفع مستوى الضجيج داخل المنصات الرقمية، حيث بات المستخدم يواجه تدفّقاً مستمراً من محتوى متشابه في الشكل واللغة والإيقاع، ما قلّل من متوسط الانتباه ورفع عتبة التفاعل.
غير أن هذا التضخّم في العرض لم يؤدِّ إلى تراجع دور صُنّاع المحتوى البشريين بقدر ما أعاد ترتيب القيمة داخل السوق. ففي بيئة يهيمن عليها محتوى مصقول آلياً، أصبحت العناصر التي يصعب أتمتتها، مثل: الذائقة، وفهم السياق الثقافي المحلي، والقدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع الجمهور، أكثر ندرة وأعلى قيمة.
من منظور اقتصادي، لم يعد التحدي الأساسي هو إنتاج المزيد من المحتوى، بل القدرة على إنتاج محتوى يُحدث فرقاً في السلوك. الشخصية، والموثوقية، والانسجام بين صانع المحتوى وجمهوره تحوّلت إلى عوامل حاسمة في استبقاء الانتباه داخل منصات مزدحمة، وفي تحويل هذا الانتباه إلى قرار شرائي فعلي.