المغرب يستهدف 3 مليارات دولار من صناعة الألعاب بحلول 2032
استوديوهات محلية ناشئة تقترب من دخول سوق «اليونيكورن»

بدعم حكومي متزايد واستثمارات تستهدف الاقتصاد الرقمي، يسعى المغرب إلى تعزيز حضوره في صناعة الألعاب الإلكترونية سريعة النمو عالمياً.
ومع تصاعد اهتمام الشركات الناشئة والمطورين المحليين، تتجه الرباط إلى بناء قطاع تنافسي قادر على جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل رقمية جديدة.
بحسب خبراء اقتصاد ورقمنة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، فإن المغرب يمتلك فرصة كبيرة لتنويع إيراداته وبناء اقتصاد رقمي أكثر تنافسية، متوقعين أنه رغم تأخر الرباط في دخول قطاع الألعاب الإلكترونية، فإنها قادرة على تحقيق نجاحات مماثلة لما حققته في قطاعات أخرى، مثل صناعة السيارات.
وبلغت إيرادات قطاع الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو 6 مليارات دولار خلال عام 2024، استحوذت السعودية على أكثر من ثلثها، بحسب تصريحات الأمير فيصل بن بندر بن سلطان، رئيس الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية، في أغسطس 2025.
ووفقاً لتقرير حديث صادر عن «مودور إنتلجينس»، من المتوقع أن يبلغ حجم سوق الألعاب العالمي 435.44 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنة مع 269.06 مليار دولار في عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 10.37%.
من المقرر أن توقّع «تمويلكم»، الوكالة الوطنية لضمان القروض التابعة للحكومة المغربية، اتفاقيات قريبة مع ثلاثة استوديوهات ألعاب، ستمنح كل واحدة منها دعماً بملايين الدراهم، بحسب ما ذكره وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، في تصريحات نقلتها وكالة «بلومبرغ» يوم 21 مايو الجاري.
وقال بنسعيد إن «رأس المال لدينا ليس جريئاً، وعادة ما يتوقع أرباحاً سريعة، وهنا يأتي دور (تمويلكم)، إذ تتيح لنا تقليل مخاطر التمويل الذي تقدمه البنوك لشركات الألعاب الناشئة»، لافتاً إلى أن «شركات الألعاب الناشئة أصبحت مؤهلة الآن للحصول على دعم (تمويلكم) مثلها مثل الشركات المغربية الأخرى، وأن الألعاب هي ما سيمكّن المغرب من امتلاك أول شركات يونيكورن، أي الشركات التي تبلغ قيمتها مليار دولار على الأقل».
وحدد المغرب هدفاً يتمثل في رفع الإيرادات السنوية لصناعة الألعاب المحلية إلى 3 مليارات دولار بحلول عام 2032، مقارنة بنحو 200 مليون دولار حالياً.
وقال بنسعيد: «هذا قطاع يتحرك بسرعة كبيرة للغاية، ونحن بحاجة فقط إلى شركتي يونيكورن أو ثلاث لتحقيق هذا الهدف، وهناك بالفعل شركة مرشحة لتصبح يونيكورن، وهي (جون ستوديو)».
وتعمل «جون ستوديو»، التي تأسست عام 2023، على تطوير لعبتين، وتحتاج إلى 7 ملايين درهم (757.4 ألف دولار) لإنجازهما، وكانت قد حصلت سابقاً على منحة بقيمة 33 ألف دولار من الحكومة الفرنسية ضمن شراكة مع المغرب لدعم صناعة الألعاب المحلية.
كما وقّع المغرب وفرنسا اتفاقية لدعم صناعة الألعاب المحلية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمملكة عام 2024.
يرى أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، والمستشار الوزاري المغربي السابق، بدر الزاهر الأزرق، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «المغرب بدأ يعي أن ألعاب الفيديو لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت صناعة عالمية ضخمة تدر مليارات الدولارات وتخلق آلاف فرص العمل».
أضاف: «اليوم، يمكن للعبة إلكترونية ناجحة أن تحقق إيرادات أكبر من بعض الصناعات التقليدية»، مشيراً إلى أن «دخول المغرب إلى هذا المجال يُعد خطوة ذكية للغاية، خاصة أن المملكة تمتلك شباباً مبدعاً ومتمكناً رقمياً بدرجة كبيرة».
أوضح أن المكسب الحقيقي «لا يقتصر على إنتاج الألعاب فقط، بل يشمل بناء منظومة اقتصادية متكاملة حولها»، مضيفاً: «نتحدث هنا عن فرص عمل في البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والتسويق الرقمي، والصناعات الإبداعية».
وشدد الأزرق على أن «هذا القطاع يمكن أن يساعد المغرب على تنويع اقتصاده والانتقال تدريجياً نحو اقتصاد رقمي أكثر تنافسية وقيمة مضافة».
لكنه أشار، في المقابل، إلى وجود تحديات حقيقية، موضحاً أن هذا المجال «يحتاج إلى تمويل جريء وصبر استثماري، لأن الأرباح لا تتحقق بسرعة، كما أن المنافسة العالمية شديدة للغاية».
وأكد ضرورة «بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين، والحاضنات، وحماية الملكية الفكرية، وربط الجامعات بسوق الصناعات الرقمية».
ورغم ذلك، يرى الأزرق أن «هذه البداية المغربية في قطاع إنتاج الألعاب مهمة للغاية، لأن العالم يتجه اليوم نحو اقتصاد المعرفة والإبداع أكثر من الاقتصادات التقليدية».
وخلص إلى أنه «إذا نجح المغرب في استثمار طاقات شبابه بالشكل الصحيح، فمن الممكن فعلاً أن نشهد خلال السنوات المقبلة شركات مغربية قادرة على المنافسة إقليمياً وحتى عالمياً في صناعة الألعاب الإلكترونية».
وفي فبراير 2026، أكد تقرير حديث صادر عن (Research and Markets) استمرار نمو سوق التجارة الإلكترونية بين الشركات والمستهلكين (B2C) في المغرب، حيث بلغ حجمه المتوقع 3.17 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع توقعات بمواصلة النمو بنسبة 2.6% سنوياً حتى عام 2029 ليصل إلى نحو 3.51 مليار دولار.
من جانبه، يرى رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الخبير الاقتصادي المغربي رشيد الساري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن قطاع الألعاب الإلكترونية مطروح للنقاش في إفريقيا منذ أكثر من عشر سنوات، وأنه قادر على تحقيق عوائد ضخمة على المستوى العالمي، وقد أظهرت الأرقام بالفعل حجم النمو الكبير الذي يحققه هذا القطاع.
وأوضح أن «الإجراءات التي تحدث عنها وزير الثقافة اليوم قد تعني أن المغرب تأخر نسبياً في دخول هذا المجال، كما أن استهداف عائدات بقيمة 3 مليارات دولار بحلول عام 2032 لا يبدو رقماً محفزاً»، لافتاً إلى أن «الإمكانات والطاقات التي يمتلكها المغرب قد تسمح بتجاوز هذا الرقم، إذ يمكن لقطاع الألعاب الإلكترونية أن يساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 3% و5%».
أضاف الساري: «هناك بالفعل شركات ناشئة مغربية تعمل في هذا المجال، وقد أتيحت لي فرصة لقاء عدد من الشباب الفاعلين فيه، حيث يجري توظيف التراث والتقاليد والعادات والتاريخ المغربي، وحتى الحكايات الشعبية، في تطوير الألعاب الإلكترونية».
ويرى أن «إضفاء الطابع المغربي على هذه الألعاب، عبر توظيف الموروث التاريخي والثقافي الغني، يمكن أن يخلق صناعة ثقافية قوية تحقق عوائد أكبر».
كما شدد على «الحاجة الماسة إلى دعم الشركات الناشئة وتمويلها بشكل أكبر، إضافة إلى ضرورة مساهمة البنوك في دعمها عبر تقديم قروض بفوائد مشجعة».
ولم يكن التحرك المغربي نحو قطاع الألعاب الإلكترونية وليد هذا العام فقط. ففي 4 يونيو 2025، سعى المغرب إلى اقتناص حصة من سوق الألعاب الإلكترونية العالمية المربحة، وفقاً لما ذكرته نسرين السويسي، المسؤولة في وزارة الشباب والثقافة والاتصال المغربية والمشاركة في استراتيجية تطوير الألعاب في البلاد.
ويهدف مجمع الألعاب المقترح في العاصمة المغربية الرباط، بحسب تصريحات السويسي لـ«بلومبرغ»، إلى جذب المطورين والشركات الناشئة الواعدة، إلى جانب الشركات الأجنبية الراغبة في الاستفادة من انخفاض التكاليف في المملكة والقوى العاملة الشابة.
وبحسب تصريحات السويسي، يتجه المغرب إلى مضاعفة إيرادات هذه الصناعة إلى 5 مليارات درهم (544 مليون دولار)، مقارنة بـ2.5 مليار درهم حالياً، بحلول عام 2030، مع توقع ظهور أول الألعاب المطورة محلياً خلال السنوات القليلة المقبلة.