logo
تظاهر مئات العسكريين المتقاعدين في بيروت، مطالبين برفع معاشاتهم التقاعدية، 17 سبتمبر 2025.
اقتصاد

الحد الأدنى للأجور.. معركة ما بعد الحرب في لبنان

تاريخ النشر:

في شوارع بيروت وطرقات المدن اللبنانية المكتظة، يعلو وجع الناس على ضجيج السيارات. حديث واحد يتكرر على الألسن: «الراتب لم يعد يكفي».

بعد 6 سنوات على الانهيار المالي، تلاشت قيمة الليرة اللبنانية، وتحول الحد الأدنى للأجور إلى رقم لا يوازي كلفة حياة ليومين. اليوم، يقف اللبناني محاصراً بين فواتير الكهرباء والماء والإيجار والدواء، عاجزاً عن الجمع بينها، فيما تنشغل الدولة بموازنات «تُصحّح الأرقام لا الواقع».

هذا الواقع فجّر موجة احتجاجات متصاعدة في الفترة الأخيرة، ازدادت حدتها واتسعت رقعتها، وسط مطالب واضحة بتصحيح الحد الأدنى للأجور وإعادة النظر بقيمة المعاشات، بما يوفّر حداً أدنى من العيش الكريم، لا سيما بعد حرب ضارية ألحقت خسائر إضافية بالاقتصاد وأثقلت كاهل الليرة المنهكة.

أخبار ذات صلة

طلاب مدرسة رسمية في عمشيت، لبنان، 11 نوفمبر 2024.

عقدٌ من الانهيار المالي.. التعليم الرسمي أمام أكبر أزمة بتاريخ لبنان

رواتب لا تُبقي ولا تُغني

في ساحة الاعتصام، عبّر العميد بسام ياسين، المتحدث باسم العسكريين المتقاعدين، عن حالة الغضب التي تسود صفوفهم، قائلًا لـ«إرم بزنس»: «رُفعت المساعدة الفورية من 12 إلى 14 مليون ليرة، لكننا لا نطالب بمساعدات. نطالب بتصحيح حقيقي للمعاشات بنسبة لا تقل عن 50% مع نهاية العام، وبزيادات دورية كل ستة أشهر».

وأضاف أن هناك حقوقاً مالية للضباط والأفراد الذين تركوا الخدمة بعد عام 2019 «يجب أن تُعاد»، مشيراً إلى أن العسكريين يُعدّون ورقة مطلبية شاملة تشمل المساعدات المدرسية والتعويضات المتأخرة.

أرقام لا تكفي للحياة

في المقابل، عبّر المواطن حسن بردويل عن استيائه من الواقع المعيشي، قائلاً: «الحد الأدنى اليوم 28 مليون ليرة، أي نحو 200 دولار، بينما الإيجار وحده يتجاوز 300 دولار، والكهرباء 50 دولاراً، والإنترنت 25 دولاراً، أما الطعام والشراب فيحتاجان إلى ما يقارب 100 مليون ليرة ليعيش الإنسان».

أما محمد الخباز، فكان أكثر صراحة، إذ قال: «الحد الأدنى للأجور لا يكفي أحداً. المواطن بات يعمل وظيفتين أو ثلاثاً ليلاً ونهاراً ولا يستطيع العيش. من يريد حياة كريمة يحتاج إلى 700 أو 800 دولار شهرياً على الأقل».

وتُجمع الآراء على أن 28 مليون ليرة، أي ما يعادل نحو 280 دولاراً، لم تعد تمثل شيئاً في بلد تجاوزت فيه كلفة المعيشة أضعاف الدخل الشهري.

تضيف سوزي البني لـ«إرم بزنس»: «الحد الأدنى الحالي يضع الإنسان تحت خط الفقر. الإيجار يتراوح بين 200 و400 دولار، وبعد دفع الكهرباء والمياه والطعام، لا يبقى شيء. الراتب يجب ألا يقل عن 700 دولار ليؤمّن حياة بسيطة».

ويؤكد محمود الداموري أن «الوضع بات مأساوياً، الأسعار ملتهبة والرواتب بلا قيمة، وزيادة المعاشات فوراً أصبحت ضرورة لإعادة أي توازن معيشي».

جانب من إحدى الأسواق المفتوحة في العاصمة اللبنانية بيروت.
جانب من أحد الأسواق المفتوحة في العاصمة اللبنانية بيروت المصدر: (أ ف ب)

الرواتب فقدت 95% من قيمتها

من جهتها، توضح الصحفية الاقتصادية والباحثة في القانون المالي الدولي محاسن مرسل الحلبي، في حديثها لـ«إرم بزنس»، أن «العملة اللبنانية فقدت نحو 95% من قيمتها»، مشيرة إلى أن الرواتب لم تشهد أي تصحيح فعلي منذ عام 2019.

وتشرح أن «القطاع العام شهد انهياراً حاداً في الأجور، إذ إن الموظف الذي كان يتقاضى ما يعادل 700 إلى 800 دولار، أصبح راتبه اليوم لا يتجاوز 100 إلى 150 دولاراً، في حين تصل رواتب بعض الهيئات العامة إلى نحو 9 آلاف دولار شهرياً، ما يخلق فجوة كبيرة في العدالة الوظيفية».

وتضيف أن الحكومة تلجأ إلى «الحوافز وبدلات البنزين» كحلول ترقيعية لا تعالج جوهر المشكلة، مؤكدة أن «العدالة تتطلب إعادة هيكلة شاملة للرواتب وتوزيعاً منصفاً لموارد الدولة».

وتختم الحلبي بالقول: «العائلة اللبنانية تحتاج اليوم إلى دخل لا يقل عن 2000 دولار شهرياً لتغطية الحاجات الأساسية فقط، من دون أي ترف».

أخبار ذات صلة

وزير الاقتصاد والمالية اللبناني السابق، دميانوس قطار، في مقابلة خاصة مع «إرم بزنس».

وزير مالية سابق: اقتصاد الكاش يبتلع لبنان ونظامه المصرفي المنهار

الوزارة تتحرك.. وبرنامج «أمان» لتخفيف العبء

في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «آخر الإحصاءات تشير إلى أن 40 إلى 45% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، وترتفع النسبة إلى نحو 60% عند احتساب اللاجئين والنازحين».

وأشارت إلى أن الوزارة تعمل على «مسح وطني شامل لتحديث الأرقام، بهدف وضع سياسات أكثر دقة وفاعلية»، لافتة إلى أن خطة الوزارة تحمل عنوان «صفر فقر»، وهي «استراتيجية طويلة الأمد تجمع بين الدعم النقدي والتمكين الاقتصادي».

وتحدثت السيد عن برنامج «أمان» الذي يقدّم مساعدات نقدية شهرية بقيمة 140 دولاراً لنحو 800 ألف لبناني، موضحة أن «البرنامج يعتمد نظاماً إلكترونياً شفافاً لتحديد المستفيدين ومنع أي استغلال».

وختمت بالتأكيد على أن «الحماية الاجتماعية ليست ترفاً، بل حق أساسي لكل مواطن»، وأن الطريق نحو «صفر فقر» طويل، لكنه يبدأ بخطوات عملية «تركز على العدالة والتمكين، لا على المسكنات المؤقتة».

في بلد فقدت فيه الليرة معناها، والراتب قيمته، يعيش اللبناني بين صبرٍ قاسٍ وأملٍ مؤجل. الأجور ما زالت حبيسة القرارات، والفقر لم يعد رقماً في التقارير، بل واقعاً يطرق أبواب البيوت يومياً.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف