سوق العمل مستقر رغم النمو المحدود للوظائف
«الهبوط الناعم» هشّ والتحديات لا تزال قائمة

تشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى أن الاقتصاد الأميركي قد يكون اقترب من تحقيق ما يعرف بـ «الهبوط الناعم»، وهو الوضع الذي تنخفض فيه معدلات التضخم دون أن يدخل الاقتصاد في ركود.
وتظهر مؤشرات الاقتصاد الحيوية الحالية اتجاهات إيجابية غير مسبوقة منذ ما قبل جائحة كورونا: انخفاض التضخم، واستقرار سوق العمل، ونمو اقتصادي ثابت، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».
أظهر تقرير التضخم الأخير أن الأسعار الأساسية، التي تستثني الغذاء والطاقة، ارتفعت بنسبة 2.5% على أساس سنوي في يناير، وهو أدنى مستوى منذ موجة ارتفاع الأسعار في 2021. ورغم بعض التشوهات الناتجة عن إغلاق الحكومة في الخريف الماضي، إلا أن التقرير أظهر تراجع الضغوط السعرية في بداية العام مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية.
في الوقت نفسه، أظهرت بيانات سوق العمل انخفاض معدل البطالة إلى 4.3% في يناير، مع إضافة 130 ألف وظيفة جديدة، وهو عدد أعلى من المتوقع.
وعلق كبير الاقتصاديين في شركة «بايدن آند رايجل»، جيفري كليفلاند، قائلاً: «أسوأ السيناريوهات لم تتحقق، كان الاعتقاد السائد أن الوصول إلى التضخم عند 2% يستلزم ارتفاع البطالة بشكل كبير».
رغم هذه الإشارات الإيجابية، يرى الخبراء أنه من المبكر إعلان النصر؛ فالأسعار الأساسية التي يعتمدها الاحتياطي الفيدرالي لا تزال تقارب 3%، أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2%.
كما أن سوق العمل قد يكون أقل قوة مما توحي به البيانات الأخيرة، حيث أظهرت المراجعات السنوية أن الاقتصاد أضاف متوسط 15 ألف وظيفة شهرياً خلال 2025، وهو رقم منخفض مقارنة بمعظم السنوات منذ الحرب العالمية الثانية خارج فترات الركود.
أشار الخبراء إلى أن نمو الوظائف يتركز في قطاعات محددة مثل الرعاية الصحية والتعليم، ما يجعل سوق العمل هشاً، وأي صدمة، سواء من تخفيض الشركات للوظائف نتيجة انخفاض الأسهم بسبب موجة الذكاء الاصطناعي، أو من تراجع إنفاق الأسر إذا انخفضت ثروتها، قد تهدد هذا الاستقرار الهش.
يرى بعض الاقتصاديين أن القوة الشرائية للمستهلكين ذوي الثروة المرتفعة قد تجعل التضخم صعب الانخفاض إلى 2%، إذ إن الإنفاق القوي قد يبقي الأسعار مرتفعة.
وقال كبير الاقتصاديين الأميركيين في «باركليز»، مارك جيانوني: «الأسر في وضع مالي جيد، والثروة ارتفعت على نطاق واسع. هذا جيد للنمو، لكنه يصعب مهمة خفض التضخم».
ساهمت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي بنسبة تقارب نقطة مئوية كاملة من الناتج الاقتصادي العام الماضي، ومن المتوقع أن تواصل دعم النمو هذا العام، وفقاً لـكبير الاقتصاديين العالميين لدى «بي جي آي إم فيكسد إنكم»، داليب سينغ.
أضاف أن السياسات المالية التوسعية قبيل الانتخابات النصفيّة قد تمنح مزيداً من الدعم للنمو، مع الحرص على عدم زيادة ضغوط تكلفة المعيشة.
على الرغم من تراجع بعض المؤشرات، إلا أن تحديات التضخم لا تزال موجودة، فقد تباطأت تكاليف السكن، لكنها لا تزال أسعار الخدمات خارج الإسكان مرتفعة، كما ارتفعت أسعار السلع المتأثرة بالرسوم الجمركية، حيث سجلت السلع الأساسية غير السيارات المستعملة زيادة سنوية بنسبة 4.4% في يناير، وهو أسرع معدل خلال ثلاث سنوات.
ويغادر جيروم باول منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مايو بعد أن قاد الاقتصاد الأميركي خلال أسوأ موجة تضخم منذ 40 عاماً. ومع ذلك، فإن الهبوط الناعم لم يتحقق بعد بالكامل. وقد تحدد سياسات رئيس الاحتياطي القادم، سواء بالاستمرار على النهج نفسه أم تغيير السياسة، مسار الاقتصاد الأمريكي في الفترة المقبلة.