
بعد سنوات من التركيز على إطلاق الفنادق الفاخرة، يتجه قطاع الضيافة في السعودية تدريجياً نحو إعادة توازن استثماراته.
فقد أعلنت فنادق إقليمية مثل «روف» و«بريمير إن»، إلى جانب المشغل العالمي «ماريوت»، عن خطط لتقديم غرف بأسعار أكثر ملاءمة، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن تحقيق الأهداف الطموحة للسياحة يتطلب توسيع قاعدة العرض الفندقي لتشمل شرائح إنفاق أوسع، بدل الاكتفاء بالمشاريع عالية التكلفة.
يُعد قطاع السياحة محوراً أساساً في برنامج التحول الاقتصادي في السعودية، إذ تستهدف المملكة جذب 70 مليون زائر دولي بحلول 2030، أي ما يعادل نحو ضعفي ونصف عدد الزوار في 2024. غير أن تحقيق هذا الهدف يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السوق الفندقي على توفير طيف سعري متوازن يلائم أنماط الطلب المختلفة.
وتكشف بيانات حديثة عن فجوة واضحة بين الأسعار المخطط لها وتوقعات المستهلكين، فقد أظهر استطلاع شمل 1000 من السعوديين والمقيمين أجرته شركة «نايت فرانك» (Knight Frank) أن 44% من المشاركين مستعدون لإنفاق حد أقصى يبلغ 525 ريالاً سعودياً، أي 140 دولاراً لليلة الواحدة، وهو مستوى إنفاق لا يتماشى مع هيكل المعروض المتوقع خلال السنوات المقبلة.
وتشير تقديرات (AGBI) إلى أن نحو 75% من الغرف الفندقية الجديدة المتوقع دخولها السوق حتى عام 2030 ستندرج ضمن الفئة الفاخرة، ما يرسخ اختلال التوازن بين العرض والطلب، ويوفر مساحة استثمارية للفنادق المتوسطة والاقتصادية.
لا تزال المشاريع الفاخرة تمثل العمود الفقري لمشاريع السياحة الكبرى ضمن رؤية 2030. وتشمل أبرز الافتتاحات الأخيرة فندق «باب سهمان» (Bab Sahman) في الدرعية بأسعار تبدأ من 1400 ريال لليلة، وفندق «هابيتاس» (Habitas) في العلا بأسعار تقارب 6000 ريال لليلة، إضافة إلى «منتجعات البحر الأحمر» التي تتراوح أسعارها بين نحو 3000 و14 ألف ريال.
ورغم هذا الزخم، تبقى حصة الفنادق المتوسطة محدودة. إذ تشير «نايت فرانك» إلى أن الفنادق من فئة 3 نجوم تمثل نحو 5% فقط من خطط التطوير المستقبلية، مع توقع تراجع حصتها من 15%، حالياً، إلى نحو 10% بحلول نهاية العقد، ما يعمّق الفجوة السعرية في السوق.
في المقابل، ترى شركات الضيافة المتوسطة والاقتصادية فرصة استثمارية واضحة في هذا الاختلال. فقد أعلنت «بريمير إن» (Premier Inn)، أكبر شركة فنادق اقتصادية في المملكة المتحدة، خططاً للتوسع في الرياض وجدة، مع التركيز على مواقع المطارات، ومراكز المؤتمرات، والمجمعات التجارية.
وأشار المدير الإقليمي للشركة سايمون لي إلى أن نقص المعروض في الفئة المتوسطة يعزز جدوى الاستثمار في هذا القطاع، مؤكداً أن الطلب على خيارات الإقامة الميسورة يتزايد بشكل ملحوظ، لا سيما في المدن الكبرى.
وفي موازاة ذلك، تواصل شركات تطوير إقليمية وعلامات فندقية عالمية توسيع حضورها في السوق السعودية. ففي نوفمبر، أعادت «إعمار» و«دبي القابضة» إحياء خطط دخول «فنادق روف» (Rove Hotels) إلى السوق السعودية عبر مشروع في الرياض، بينما وقعت «ماريوت» (Marriott) اتفاقيات لإطلاق مجموعة من الفنادق في جدة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة.
بموجب اتفاق مع «القمّة للضيافة» التابعة لشركة «بن داود للاستثمار»، ستتولّى «ماريوت» تشغيل 5 فنادق جديدة تضم 2700 غرفة في جدة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، تحت 4 علامات فندقية، تشمل: «جي دبليو ماريوت» (JW Marriott) الفاخرة، إلى جانب «فور بوينتس» (Four Points) و«فور بوينتس فليكس باي شيراتون» (Four Points Flex by Sheraton) و«إليمنت» (Element) الأكثر ميسورية.
ويرتبط هذا التوسع مباشرةً بتنامي السياحة الدينية، إذ استقبلت مكة المكرمة 1.6 مليون حاج خلال موسم الحج الماضي، الذي يُحدد وفق التقويم الهجري وأُقيم في أوائل يونيو.
وتُظهر بيانات وزارة السياحة حساسية الأسعار لمواسم الذروة؛ إذ ارتفعت أسعار الفنادق في مكة من 299 ريالاً لليلة في أبريل إلى 1035 ريالاً في مايو قبيل الحج، قبل أن يبلغ متوسط الأسعار 640 ريالاً في يونيو.
إلى جانب الحج، تستهدف السعودية رفع أعداد المعتمرين من 8 ملايين إلى 30 مليون زائر سنوياً، ما يعزز الطلب المستدام على الإقامة عبر مختلف الفئات السعرية طوال العام.
ويشير تسارع دخول مشغلي الفنادق المتوسطة والاقتصادية إلى تحول تدريجي في هيكل الاستثمار السياحي، يقوم على موازنة المشاريع الفاخرة مع تطوير قاعدة عرض أوسع تدعم السياحة الجماهيرية. ومع اقتراب عام 2030، يبدو أن تنويع هيكل الأسعار في سوق الضيافة سيصبح شرطاً أساساً لتحقيق مستهدفات النمو السياحي.