
بينما يسعى صانعو السياسات الأميركيون للسيطرة على التضخم وإعادته إلى مستواه المستهدف، قد يحصلون دون قصد على دفعة من مصدر غير متوقع: الصين، أكبر منافس اقتصادي للولايات المتحدة.
تواجه الصين صعوبة في القضاء على شبح الانكماش، بحسب «رويترز»، وهو صراع داخلي لم تحسمه السلطات في بكين بعد، رغم بعض الإشارات الإيجابية في البيانات الرسمية الأخيرة؛ فقد سجلت أسعار المستهلك السنوية في الصين خلال أكتوبر ارتفاعاً طفيفاً فقط، بينما انخفضت أسعار المنتجين للعام السابع والثلاثين على التوالي.
كما انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 1.8% الشهر الماضي، وهو أكبر تراجع منذ بداية الإحصاءات المقارنة قبل 30 عاماً، باستثناء فترة الإغلاق المرتبطة بالجائحة. أما العائد على سندات الحكومة لأجل عشر سنوات فلا يزال منخفضاً عند 1.8%. كل هذه المؤشرات تظهر اقتصاداً بعيداً عن مرحلة التضخم المستهدف.
يعاني الاقتصاد الصيني ضغوط انخفاض الأسعار منذ ما يقارب ثلاث سنوات، خاصة في قطاع العقارات، كما تواجه صناعات أخرى مثل السيارات والتكنولوجيا الخضراء فائضاً في الطاقة الإنتاجية وتراجعاً في الأسعار يضغط على هوامش الأرباح. وللتصدي لذلك، أطلقت بكين حملة «مكافحة الانكماش الداخلي» لتحفيز الشركات والسلطات المحلية على تغيير المسار وتحقيق تضخم مستدام.
مع ضعف الطلب الداخلي، لجأت الشركات الصينية إلى أسلوب معروف: التوسع في التصدير حتى لو تطلب ذلك خفض الأسعار للحفاظ على حصصها في الأسواق. ارتفعت صادرات الصين بشكل كبير، مما أغرق أبرز شركائها التجاريين بالمنتجات منخفضة التكلفة.
ووفقاً لبراك سيتسر، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، فإن الفائض الصيني من السلع المصنعة يتجاوز بسهولة تريليونيْ دولار، ما يعادل نحو 10.5% من الناتج المحلي للصين وأكثر من 2% من الناتج العالمي، أي فائضاً يفوق بكثير فائض ألمانيا واليابان في ذروتهما.
لوحظ أيضاً ارتفاع الصادرات الصينية نحو الأسواق الآسيوية، إذ زادت صادرات الصين إلى آسيا هذا العام بمقدار 150 مليار دولار، أي ضعف الانخفاض البالغ 75 مليار دولار نحو الولايات المتحدة، وفقاً لتورستن سلوق، كبير الاقتصاديين لدى مؤسسة «أبولو». وهذا يوضح أن الصين لا تزال تغمر العالم بمنتجاتها رغم الحرب التجارية الجارية.
على عكس طفرة الصادرات الصينية في أوائل العقد الأول من الألفية، التي كانت تركز على المنتجات الرخيصة، تتجه الصين اليوم نحو تصدير سيارات كهربائية، ومعدات عالية الجودة، وألواح شمسية، وغيرها من المنتجات ذات القيمة المضافة.
وتصدر الصين حالياً أكثر من 6 ملايين سيارة، أي نحو عشر سوق السيارات العالمي خارج الصين، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى 8 ملايين العام المقبل.
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن هذا الصعود في الصادرات قد يسهم في كبح التضخم العالمي. وفقاً لتقديرات «اوكسفورد إيكونوميكس»، فإن انخفاضاً بنسبة 10% في أسعار التصدير الصينية يمكن أن يخفض أسعار الإنتاج في الولايات المتحدة بنسبة 0.1 إلى 0.2%، وفي جنوب شرق آسيا بنحو 0.6%.
وإذا تحقق انخفاض بنسبة 10% في التضخم الصناعي الصيني، فإن التأثير قد يرتفع إلى 0.3% في الولايات المتحدة و1.6% في جنوب شرق آسيا.
مع استمرار ضعف الأسعار في الصين، قد يوفر هذا الوضع بعض الراحة لصانعي السياسات في واشنطن، على الرغم من أن بكين تسعى لحماية صناعتها وتعزيز صادراتها.