دعوات لتوسيع المناطق الصناعية المتخصصة وإعادة تمويل المتعثرين
تكلفة الأرض تمثل نحو 10% من إجمالي استثمارات المشروع الصناعي

تمضي الحكومة المصرية بخطى متسارعة لخفض تكلفة الدخول إلى النشاط الصناعي في البلاد، عبر حزمة من الإجراءات الجديدة لتيسير حصول المستثمرين على الأراضي الصناعية المرفقة، وتخفيف الأعباء المالية المطلوبة لبدء النشاط، في خطوة تستهدف رفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 15% إلى 20%، ومضاعفة الصادرات غير النفطية إلى 100 مليار دولار بحلول 2030.
تتضمن الإجراءات الجديدة التي تعمل وزارة الصناعة المصرية على تنفيذها حالياً، استحداث نظام الإيجار المنتهي بالتملك للأراضي الصناعية، بما يتيح للمستثمر توجيه جزء أكبر من سيولته إلى إنشاء المصنع وشراء الآلات وخطوط الإنتاج.
كما تشمل الإجراءات طرح المصانع المتعثرة أمام مستثمرين جدد كفرص جاهزة للتشغيل، بما تتضمنه من أراضٍ ومنشآت وآلات ومعدات ورخص تشغيل.
وتطرح هذه التحركات تساؤلات داخل القطاع الصناعي حول مدى قدرة الأدوات الجديدة على خفض تكلفة الاستثمار فعلياً في مصر، وما إذا كانت ستنجح في إعادة تشغيل المصانع المتعثرة بعد سنوات من المبادرات والحلول التي لم تحقق النتائج المستهدفة.
أطلقت وزارة الصناعة المصرية مؤخراً نظام الإيجار المنتهي بالتملك، الذي يتيح مددًا إيجارية تبدأ من 7 سنوات وتصل إلى 21 عاماً بحد أقصى، مقابل إيجار سنوي يبلغ 5% من سعر المتر المربع.
يتيح النظام الجديد للمستثمر التقدم بطلب التملك بعد مرور عام على التشغيل الفعلي، على أن يتم خصم ما جرى سداده كإيجار من إجمالي قيمة الأرض، وسداد 25% من القيمة المتبقية، وتقسيط باقي المبلغ على 3 أقساط سنوية.
ووفق بيان صادر عن وزارة الصناعة المصرية في وقت سابق، يقدم المستثمرون الراغبون في الحصول على قطعة أرض بنظام الإيجار المنتهي بالتملك طلباتهم إلكترونياً وبشكل دوري على مدار العام، من خلال منصة مصر الصناعية الرقمية، فيما تتولى لجنة تضم الوزارات والجهات المعنية دراسة الطلبات والبت فيها وفقاً للأنشطة الصناعية المستهدفة.
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية ورئيس الغرفة التجارية بالجيزة، أسامة الشاهد، إن نظام تخصيص الأراضي الصناعية بالإيجار المنتهي بالتملك يعد خطوة جيدة لتخفيف الأعباء عن المستثمرين، خاصة أن تكلفة الأرض تمثل نحو 10% من إجمالي الاستثمارات المطلوبة لإنشاء المشروع الصناعي.
أضاف الشاهد لـ«إرم بزنس» أن النظام الجديد يمكن أن يخفف جزءاً من التكلفة الاستثمارية، خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه صعوبات في توفير التمويل اللازم لشراء الأرض في بداية المشروع.
اعتبر الشاهد أن هذا النظام، بما يتيحه من مزايا، لا يزال أقل من المستوى المطلوب إذا كانت الدولة تستهدف تحقيق نهضة صناعية، مؤكداً ضرورة أن تكون الحوافز الموجهة للقطاع الصناعي أكثر قوة، مثل إتاحة الأراضي الصناعية بالمجان لتشجيع الاستثمار والإنتاج.
أوضح أن الدولة، حين تقدم الأراضي بالمجان، ستحصل في المقابل على عوائد متعددة من النشاط الصناعي، سواء من ضريبة القيمة المضافة على المنتجات، أو الضرائب العقارية مستقبلاً، أو ضرائب كسب العمل والتأمينات الاجتماعية، إلى جانب العوائد غير المباشرة الناتجة عن خفض معدلات البطالة، وتقليص فاتورة الواردات، وزيادة حصيلة الصادرات.
ورأى أن المصنع الذي ينتج سلعة يتم استيرادها محلياً يسهم في خفض فاتورة الواردات وتحسين ميزان المدفوعات، بينما يؤدي توجيه الإنتاج إلى التصدير إلى توفير إيرادات دولارية إضافية، بما يجعل دعم التصنيع ذا مردود اقتصادي يتجاوز حصيلة بيع أو تأجير الأرض الصناعية.
أشار الشاهد إلى أن توفير الأراضي الصناعية بالمجان يمكن أن يكون مشروطاً بالتزام المستثمر بجدول زمني محدد لتنفيذ المشروع وبدء الإنتاج، مع إمكانية فرض غرامات أو سحب الأرض حال عدم الالتزام، مؤكداً أن هذه الآليات يمكن أن تحد من المضاربة على الأراضي أو إعادة بيعها دون إقامة مشروعات إنتاجية.
بدوره، قال عضو مجلس إدارة اتحاد المستثمرين في مصر، محمد المرشدي، إن طرح الأراضي الصناعية بنظام الإيجار المنتهي بالتملك يمكن أن يخفف جزءاً من الأعباء عن المستثمرين، لكن نجاح التجربة يتوقف على قدرة الحكومة على توفير مساحات كبيرة من الأراضي الصناعية المرفقة لتلبية احتياجات المستثمرين.
أضاف المرشدي لـ«إرم بزنس» أن تكلفة الإيجار يجب أن تراعي القدرات التمويلية للمستثمر، خصوصاً المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى دعم ومساندة أكبر.
وأبدى المرشدي تخوفه من أن يواجه المستثمر، وفق نظام الإيجار، بعض العراقيل عند محاولة الحصول على تمويل مصرفي، إذ قد يمثل وضع الحيازة بالإيجار عائقاً أمام الاقتراض من البنوك.
ورأى عضو اتحاد المستثمرين أن زيادة توسع الحكومة في إنشاء المناطق والمجمعات الصناعية المتخصصة والمرفقة تتيح للمستثمرين مزايا قوية فيما يتعلق بخفض تكلفة الاستثمار مقارنة بالأنظمة الاستثمارية الأخرى.
واعتبر أن خفض تكلفة الاستثمار الصناعي في مصر يتطلب تركيز الحكومة على 3 عناصر رئيسية، هي خفض تكلفة التمويل، وخفض تكلفة الأراضي، وتخفيف الأعباء والإجراءات الحكومية.
وتتيح وزارة الصناعة المصرية آليات مختلفة لطرح وتخصيص الأراضي والوحدات الصناعية، من بينها التمليك، وحق الانتفاع، والإيجار المنتهي بالتملك، والمطور الصناعي، بالإضافة إلى الوحدات الجاهزة للتشغيل عبر المجمعات الصناعية والقرى المنتجة المتعلقة بالصناعات التي تتميز بها القرى والمحافظات.
إلى ذلك، أعلنت وزارة الصناعة المصرية مؤخراً إطلاق آلية جديدة لتوفير الأراضي الصناعية عبر «المصانع المتعثرة»، حيث قررت إعادة طرح هذه المصانع وتوفيرها عبر منصة مصر الصناعية الرقمية كفرص استثمارية جديدة أمام المستثمرين، بدلاً من بقائها معطلة.
واعتبرت وزارة الصناعة أن المصانع المتعثرة تمثل فرصة استثمارية جاهزة للتشغيل الفوري، كونها لا تقتصر على الأرض فحسب، بل تحتوي على مبانٍ قائمة، ومعدات وآلات، ورخص تشغيل.
تستهدف الآلية الجديدة لحل أزمة المصانع المتعثرة وتحويلها إلى فرص استثمارية، تحقيق التشبيك والربط بين المستثمرين الراغبين في إقامة مشروعات صناعية جديدة وأصحاب المصانع المتعثرة التي تمتلك منشآت قائمة وأراضي صناعية وتراخيص وخطوط إنتاج جاهزة، لكنها متوقفة عن العمل، بحسب تصريحات سابقة لوزير الصناعة المصري خالد هاشم.
وتتيح الآلية للمستثمر الجديد الاستفادة من أراضي وأصول المصانع المتعثرة، بعد إعادة تقييم الأصول بواسطة خبراء ومثمنين معتمدين، لضمان تحديد قيمتها السوقية العادلة بما يحفظ حقوق جميع الأطراف المعنية.
من جانبه، اعتبر الشاهد أن نجاح هذه الآلية سيتوقف بدرجة كبيرة على طريقة تقييم الأصول وتحديد حقوق كل طرف، مؤكداً أن دخول مستثمر جديد بأموال لإعادة تشغيل مصنع متعثر يتطلب تقييماً عادلاً ودقيقاً للأرض والمنشآت والآلات والمعدات القائمة، حتى لا يتعرض أي من الطرفين للظلم عند تحديد حصته في المشروع.
أضاف: «إذا جرى تقييم أصول مصنع متعثر بمليون جنيه، بينما ضخ المستثمر الجديد مليوني جنيه كرأس مال لإعادة التشغيل، فإن حصة صاحب المصنع ستبلغ ثلث الكيان مقابل ثلثي المستثمر الجديد، لكن إذا جرى تخفيض قيمة أصول المصنع إلى 500 ألف جنيه، فإن حصة صاحبه ستنخفض إلى 20% فقط، ما يبرز أهمية وجود آلية تقييم واضحة وعادلة».
وأكد أن تحديد آليات تنفيذ النظام الجديد، وقواعد التقييم، وشروط دخول المستثمرين الجدد، وحقوق أصحاب المصانع المتعثرة، ستكون عوامل حاسمة في تحديد قدرة المبادرة على تحقيق نتائج فعلية، خاصة في ضوء عدم نجاح بعض الحلول السابقة لمعالجة ملف المصانع المتعثرة.
واتفق معه المرشدي، الذي أضاف أن معالجة تعثر المصانع تتطلب مبادرات تمويلية ومساندة مباشرة من البنوك، إلى جانب تدخل حكومي لتحمل جزء من المخاطر، خاصة أن هذه المصانع تواجه تراكمات من الديون والضرائب والتأمينات الاجتماعية.
وأوضح المرشدي أن مبادرات التمويل منخفض التكلفة التي أطلقتها مصر خلال السنوات الماضية، ومنها مبادرة المصانع المتعثرة بفائدة 5%، حققت نتائج جيدة في دعم المصانع المتعثرة، داعياً إلى عودة المبادرة مرة أخرى بنفس معدلات الفائدة السابقة.