
يدمج «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي «كأس العالم لكرة القدم 2026» (2026 Fifa World Cup) في استراتيجيته الاستثمارية الأشمل، في خطوة تهدف إلى ترسيخ حضوره في سوق كرة القدم بأميركا الشمالية، ضمن مساعٍ طويلة المدى لرفع مكانة المملكة عالمياً قبيل استضافتها بطولة 2034.
خلال النصف الأول من 2025، بحسب تقرير نشره موقع AGBI، جمع الصندوق استثماراته في «بنك أوف أميركا» مليوني خيار شراء (Call Options)، ما يمنحه الحق في الاستحواذ على أسهم بسعر محدد، في مؤشر يقرأ عادة كإشارة ثقة في مستقبل البنك، وامتداداً لنهج الصندوق الاستثماري في الولايات المتحدة.
يأتي ذلك بعد أن أصبح البنك رسمياً راعياً لكأس العالم في أغسطس 2023.
كما وسّع الصندوق خطواته المرتبطة بالمونديال، المقرر إقامته في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، إذ استثمر في «اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي لكرة القدم - كونكاكاف» (Concacaf) في أغسطس 2024، ورعى «كأس العالم للأندية» (Fifa Club World Cup) الذي أقيم في الولايات المتحدة هذا الصيف.
ووسع الصندوق استثماراته في قطاع الرياضة إلى حقوق بث المنافسات.فقد حصلت منصة «دازن» (Dazn) للبث، التي يمتلك الصندوق حصة غير مباشرة فيها عبر «سيرج سبورتس إنفستمنت» (Surj Sports Investment)، على حقوق البث العالمية للبطولة بقيمة مليار دولار.
يرى محللون أن الهدف السعودي يتجاوز العوائد المالية الفورية إلى استثمار الشعبية العالمية لكرة القدم كمنصة لإبراز العلامة الوطنية. وقال الباحث في «مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق» (CARPO)، سيباستيان سونز، في تصريح لموقع AGBI: «إنها استراتيجية طويلة الأمد، ولا يوجد مكان أفضل من السوق الأميركية الشمالية للانطلاق».
فالولايات المتحدة تشهد نمواً متسارعاً في اقتصادها الرياضي، إذ وصلت قيمة عقود رعاية «دوري كرة القدم الأميركي للمحترفين» (MLS) وأنديته إلى 665 مليون دولار في 2024، بزيادة 13% عن 2023 و44% مقارنة بـ2022، وفق بيانات «سبونسر يونايتد» (SponsorUnited). وأكد سونز أن الدخول بقوة قبل 2026 سيعزز الروابط المؤسسية بين المستضيفين الحاليين والمستقبليين للمونديال.
تلعب السياسة دوراً موازياً في هذه التحركات، حيث تعكس العلاقات الوثيقة بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض هذا العام، تقارباً سياسياً واقتصادياً تجسد في توقيع اتفاقيات بمئات المليارات خلال مايو الماضي، وفق التقرير.
وفي السياق ذاته، أبدى ترامب اهتماماً شخصياً بكرة القدم من خلال متابعته لبطولة كأس العالم للأندية هذا الصيف، كما شارك في ترتيبات خاصة بمونديال 2026، من بينها اختيار «مركز كينيدي» (Kennedy Center) للفنون بواشنطن لاستضافة قرعة البطولة في ديسمبر المقبل.
هذا التقارب ترافق أيضاً مع علاقة وثيقة تربط القيادتين برئيس «الفيفا» جياني إنفانتينو، الأمر الذي يمنح السعودية موقعاً متقدماً في مشهد الحوكمة الكروية العالمية، وفق ما أكد أستاذ الرياضة الأفرو-أوراسية في كلية إيمليون للأعمال (Emlyon Business School) وكاتب العمود في AGBI، البروفيسور سايمون تشادويك.
أوضح تشادويك أن أوروبا ما تزال الساحة الأهم والأكثر ربحية في كرة القدم، فقد عززت الدوحة حضورها بقوة عبر ناصر الخليفي، رئيس شبكة «بي إن» (beIN) الإعلامية ونادي «باريس سان جيرمان» (Paris Saint-Germain)، والذي يشغل أيضاً عضوية اللجنة التنفيذية في «الاتحاد الأوروبي لكرة القدم» (UEFA) من خلال رابطة الأندية الأوروبية.
وبينما لا ينظم الـ«كونكاكاف» المونديال مباشرة، فإنه يلعب دوراً محورياً في التصفيات والرعاية والجانب الاستشاري لـ«االفيفا»، إضافة إلى تنظيم «الكأس الذهبية» (Gold Cup) التي شاركت فيها السعودية هذا الصيف، والمتوقع مشاركتها مجدداً في نسختها 2027.
إلى جانب بناء النفوذ السياسي والاقتصادي، يتيح الحضور في بيئة الـ«كونكاكاف» فرصاً أوسع لتطوير اللاعبين السعوديين في أجواء أقل خضوعاً للتدقيق مقارنة بالساحة الأوروبية. وأكد تشادويك: «هنا تتوفر إمكانات أكبر لتطور اللاعبين السعوديين».