logo
اقتصاد

قطاع السياحة يتصدر مشهد التحوّل الاقتصادي في السعودية

المملكة تسعى لجذب 150 مليون زائر بحلول العام 2030

التحوّل الرقمي أداة محورية في تطوير القطاع الحيوي

مشاريع لوجستية ضخمة جداً كمطار الملك سلمان الدولي

قطاع السياحة يتصدر مشهد التحوّل الاقتصادي في السعودية
منتجع أور هابيتاس العلا – السعودية.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تعمل السعودية على تحويل إرثها الثقافي العريق، وتنوعها الطبيعي إلى ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد في إطار «رؤية 2030» التي جعلت من السياحة أحد أعمدة النمو.

وتضع المملكة هذا القطاع في صدارة استراتيجياتها التنموية، باعتباره قادراً على تقليص الاعتماد على عائدات النفط، وتوسيع نطاق الاستثمارات الخاصة، وإيجاد فرص عمل.

أخبار ذات صلة

عامل داخل منجم الأمار للذهب على بعد 195 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة السعودية الرياض، يوم 28 مايو 2008.

السعودية تبدأ العمل بتعديلات نظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة

السياحة ركيزة للإصلاح الاقتصادي

على مدى عقود، تمحورت السياحة في السعودية بشكل شبه كامل حول الرحلات الدينية إلى المواقع الإسلامية المقدسة، إلا أن هذا التركيز بدأ يتغير بوتيرة متسارعة.

فقد حددت المملكة هدفاً طموحاً يتمثل في جذب 150 مليون زائر بحلول عام 2030، ارتفاعاً من الهدف السابق البالغ 100 مليون زائر، مع السعي لأن تسهم السياحة بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تقترب من المتوسط العالمي.

بحسب تقرير صادر عن «مجموعة البنك الدولي»، تبرز السياحة اليوم كإحدى الركائز الأساسية لتنويع الاقتصاد السعودي على المدى الطويل، إذ أشار التقرير إلى أن الجهود الوطنية المبذولة في تطوير البنية التحتية وتنمية الكفاءات وحماية الموارد الطبيعية، جعلت من التجربة السعودية نموذجاً إقليمياً في بناء قطاع سياحي مستدام وشامل، فيما أسهمت الشراكات الفنية مع المؤسسات الدولية في دعم هذا المسار وتعزيز كفاءته.

بناء قطاع تنافسي وشامل

قادت وزارة السياحة عملية تطوير شاملة لمنظومة السياحة في المملكة عبر تنفيذ حزمة إصلاحات نوعية، عززت القدرة التنافسية وجاذبية الاستثمار في القطاع.

واستندت الوزارة إلى تحليلات ومؤشرات دولية، أبرزها مؤشر «تطوير السفر والسياحة» الصادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» لتقييم الأداء وتحديد مجالات التحسين، مع توظيف الخبرات الفنية والاستشارية العالمية، بما يخدم أولويات التنمية الوطنية ويواكب أهداف «رؤية 2030».

ونتيجة لهذه الجهود، تقدّمت المملكة في التصنيف العالمي من المرتبة 43 إلى المركز 33 بين عامي 2019 و2021، ما يعكس فاعلية السياسات والإصلاحات التي تبنتها لتعزيز موقعها على خريطة السياحة العالمية.

جزيرة شورى التابعة لشركة البحر الأحمر الدولية السعودية
جزيرة شورى التابعة لشركة البحر الأحمر الدولية السعودية المصدر: الموقع الإلكتروني لشركة البحر الأحمر الدولية

التحوّل الرقمي نحو سياحة ذكية متكاملة

ضمن مساعيها لتعزيز الكفاءة، ورفع جودة التجربة السياحية، تتبنى السعودية التحول الرقمي كأداة محورية في تطوير القطاع، فقد أطلقت المملكة منصة «توريز» (TOURISE) العالمية، وهي منصة متخصصة بالابتكار والسياسات السياحية، تهدف إلى بناء منظومة رقمية متكاملة لإدارة الوجهات، تجمع صناع القرار والمستثمرين والمطورين على مستوى عالمي.

كما كشفت «الهيئة السعودية للسياحة» عن إطلاق «سارة» (SARA) المرشدة السياحية الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضمن منصة «روح السعودية»، والتي توفّر للزوار تجربة مخصصة تفاعلية بلغات متعددة، مع توجيهات فورية ونصائح لحظية حول الفعاليات والمواقع السياحية.

وفي مناطق مثل العُلا، بدأت تجارب استخدام تقنيات «الواقع المعزّز» (AR) و«الافتراضي» (VR) لإحياء المواقع الأثرية وإثراء تجربة الزائر.

هذه الابتكارات الرقمية تمثل نقلة نوعية نحو ما يسمى بـ«السياحة الذكية»، حيث تُدار البيانات والتحليلات لتخصيص التجارب وتعزيز استدامة القطاع.

التنمية المستدامة في العُلا والدرعية

تبرز العُلا والدرعية كنموذجين لكيفية دمج السعودية بين الثقافة والاستدامة والتنمية الاقتصادية.

في العُلا (موطن المدينة النبطية القديمة الحِجر، وأول موقع سعودي مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو)، دعمت «الهيئة الملكية لمحافظة العُلا» (RCU) برامج تحويل المنطقة إلى اقتصاد سياحي مستدام، حيث يتم تدريب السكان المحليّين ليعملوا كمرشدين سياحيين وحراس مواقع، ما يضمن استفادة المجتمع المحلي مباشرة من تدفق الزوار.

أما الدرعية (مهد تأسيس المملكة) فقد تحوّلت هي الأخرى إلى مركز ثقافي واقتصادي بارز، حيث تعمل «هيئة تطوير بوابة الدرعية» (DGDA) و«شركة الدرعية» (DC) على تنفيذ خطط للتنمية الحضرية المستدامة، ترتكز على حي الطريف المدرج أيضاً على «قائمة التراث العالمي لليونسكو».

ويهدف مشروع تطوير الدرعية إلى إيجاد 180 ألف وظيفة جديدة من خلال الاستثمارات في قطاعات الضيافة والتجزئة والتصميم العمراني القائم على التراث.

كما تعاون البنك الدولي مع «شركة الدرعية» في إعداد «إطار للتنمية الاقتصادية المحلية» (LED)، يشمل برامج لتوليد فرص العمل بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات الوطنية.

وقد نجحت البرامج التجريبية الأولى في تدريب وتوظيف خريجين من المجتمع المحلي، بعضهم التحق بالعمل في مرافق جديدة مثل فندق «باب سمحان»، وهو أحد الأصول العقارية التي طورتها الشركة، وتم تأجيرها للقطاع الخاص لإدارتها.

التكامل الإقليمي والربط اللوجستي

في موازاة الجهود المحلية، تعمل السعودية على تعزيز التكامل الإقليمي من خلال التعاون الخليجي في مجال السياحة، فقد أُقرّت التأشيرة السياحية الخليجية الموحّدة بنمط «شنغن» لتدخل حيز التجربة في أواخر عام 2025، وهو مشروع استراتيجي سيسهّل تنقل الزوار بين دول مجلس التعاون الخليجي، ويعزز سياحة الأعمال والترفيه المشتركة.

كما تشهد المملكة تطوير مشاريع لوجستية ضخمة، أبرزها «مطار الملك سلمان الدولي» في الرياض، الذي سيصبح أحد أكبر المطارات في العالم بطاقة استيعابية هائلة، ومشروع «ميناء نيوم» (Oxagon) على البحر الأحمر الذي يمثل محوراً تجارياً وسياحياً يربط القارات الثلاث.

هذه المشروعات تضع السياحة في قلب منظومة النقل الإقليمي، وتجعل منها محركاً لتدفق التجارة، والاستثمار، وحركة الزوار في آن واحد.

أخبار ذات صلة

تصميم أولي لمشروع بوابة الملك سلمان في مكة المكرمة - 15 أكتوبر 2025

السعودية تطلق مشروع «بوابة الملك سلمان» في مكة

تمويل التنمية السياحية المستدامة

ولتمويل هذا التحوّل الاستراتيجي، تعمل المملكة على بناء منظومة تمويل مبتكرة ومستدامة تُسهم في تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتخفيف الاعتماد على الإنفاق الحكومي.

وتشهد السوق السعودية نمواً متسارعاً في إصدارات السندات والصكوك الخضراء المدعومة بإطار التمويل الأخضر الذي أقرّته وزارة المالية و«صندوق الاستثمارات العامة»، بما يعزّز تمويل المشاريع ذات الأثر البيئي والاجتماعي الإيجابي، ويدعم التوجه نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات وأكثر تنوعاً واستدامة.

إلى جانب ذلك، يتوسع «صندوق التنمية السياحي» (TDF) في عقد شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص لتوفير حلول تمويلية مبتكرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في الوجهات السياحية الواعدة، بينما تشهد «صناديق الاستثمار العقاري» (REITs) نمواً لافتاً في قطاع الضيافة، إذ يُتوقع أن تصل القيمة السوقية للقطاع في الخليج إلى 17.4 مليار دولار بحلول 2025، بحصة سعودية متنامية في الأصول السياحية.

هذه الأدوات المالية تسهم في تخفيف العبء على المالية العامة، وتحفّز مشاركة المستثمرين المحليين والأجانب، وتحقيق استدامة النمو في قطاع يعتمد بطبيعته على رأس المال طويل الأجل.

أفق اقتصادي جديد

تبرز السياحة اليوم كأحد أكثر مكونات التحوّل الاقتصادي السعودي ديناميكية، فمن خلال الاستثمار في التراث الثقافي، ورأس المال البشري، والبنية التحتية المستدامة، والابتكار التقني، والتكامل الإقليمي، تعمل المملكة على تحويل السياحة إلى محرك طويل الأمد للنمو الشامل يربط بين التاريخ والفرص الاقتصادية الحديثة.

إن ما يتحقق اليوم برأي البعض، يتجاوز ازدهار صناعة السفر، فهو يمثل بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، ويعزز دور المجتمعات المحلية، ويجذب الاستثمارات، ويعيد رسم الهوية الاقتصادية العالمية للمملكة العربية السعودية.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف