
يشهد العالم، والأردن جزء منه، ثورة رقمية متسارعة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الأسواق المالية، من تحليل البيانات إلى تنفيذ الصفقات في أجزاء من الثانية. وبينما يعد مطورو هذه الأنظمة بتحقيق أرباح مرتفعة ودقة في التوقعات، تبرز في المقابل مخاوف حقيقية من الاعتماد المفرط على الخوارزميات وما قد تحمله من مخاطر تضليل وخسائر فادحة في أسواق شديدة التقلب مثل الفوركس والعملات المشفرة.
بدأت موجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأسواق المالية العالمية منذ سنوات عبر ما يُعرف بالتداول الآلي (Trading Bots)، وهي برامج تنفذ عمليات البيع والشراء بناءً على إشارات فنية ومعادلات رياضية معقدة.
وفي الأردن، ورغم غياب تشريعات مباشرة تنظم هذه التقنية، بدأ مئات المستثمرين باستخدام أدوات تحليل ذكية عالمية لرصد اتجاهات السوق واقتراح صفقات، خصوصاً في سوق العملات الرقمية.
ويرى مختصون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية إذا استُخدم بوعي، لكنه لا يمكن أن يُلغي دور الإنسان في اتخاذ القرار أو تحمّل المخاطرة.
في المقابل، انتشرت في الأردن والمنطقة العربية منصات ومجموعات تروّج لأنظمة تداول «مدعومة بالذكاء الاصطناعي»، تعد المستخدمين بأرباح أسبوعية ثابتة دون خبرة مسبقة.
غير أن خبراء المال يحذرون من أن كثيراً من هذه المنصات يندرج ضمن «الاحتيال المالي الإلكتروني»، مستغلاً جهل المستخدمين بطبيعة الخوارزميات وتقلبات الأسواق.
ويؤكد اقتصاديون أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك قدرة تنبؤية مؤكدة، إذ يعتمد على بيانات تاريخية قد لا تعكس تحولات السوق المستقبلية، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية وتقلب العملات.
يقول مراد ناصر، وهو خبير تداول في البورصات منذ أكثر من 30 عاماً، إن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مساعدة في التحليل المالي، لكنه «لا يمكن أن يضمن الأرباح أو يتنبأ بالأسعار المستقبلية، لأن الأسواق بطبيعتها تخضع لعوامل بشرية ونفسية وسياسية لا يمكن ترميزها بالكامل داخل خوارزمية».
ويضيف ناصر: «الذكاء الاصطناعي لم ينجح فعلياً في تحديد الاتجاهات بدقة، لأن صُنّاع السوق ليسوا أغبياء حتى يتحرك السوق وفق تنبؤات الذكاء الاصطناعي، ولو صدقت تلك التنبؤات لأصبح جميع المتداولين أثرياء».
ويحذر من أن «الاعتماد الكلي على الأنظمة الذكية دون فهم لطبيعة السوق يعرض المستثمرين لخسائر سريعة، خاصة في سوق الفوركس المعروف بتقلباته اللحظية».
ويؤكد أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تظهر فقط «عندما يكون المستثمر واعياً ومتابعاً للبيانات بنفسه»، مشيراً إلى أن بعض الشركات الأردنية بدأت فعلاً باستخدام أدوات تحليل آلي، لكن القرار النهائي لا يزال بيد الإنسان.
مع تصاعد الاهتمام بالتداول الذكي، تبرز الحاجة إلى إطار تشريعي أردني واضح ينظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستثمار ويحدّ من عمليات الاحتيال الرقمي.
ويرى خبراء أنه من الضروري أن تعمل هيئة الأوراق المالية والبنك المركزي الأردني على تطوير أنظمة رقابية رقمية لحماية المستخدمين من الإعلانات المضللة والمواقع الوهمية، خصوصاً مع سهولة الوصول إلى تطبيقات تداول غير مرخصة.
هيئة الأوراق المالية أكدت مراراً أن أي منصة أو تطبيق يقدم خدمات استثمار أو تداول داخل المملكة يجب أن يكون مرخصاً من الجهات المختصة، محذّرة من التعامل مع الشركات غير المسجلة أو التي تدّعي استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق أرباح «مضمونة».
كما شددت الهيئة على أن التداول عبر وسطاء غير معتمدين يحمل مخاطر مرتفعة، داعية المستثمرين إلى التحقق من تراخيص الشركات عبر موقعها الإلكتروني.
وبالمثل، حذّر البنك المركزي الأردني في بيانات وتصريحات متكررة من التعامل مع منصات مجهولة المصدر أو منحها بيانات شخصية، مؤكداً أن الأمن المالي الرقمي بات أولوية وطنية.
يبقى الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين في عالم المال؛ فهو قادر على تحليل كمّ هائل من البيانات بسرعة تفوق البشر، لكنه في الوقت ذاته قد يصبح أداة خطيرة في يد غير المختصين أو في بيئة تشريعية ضعيفة.
وبين الطموح لتحقيق أرباح سريعة والحاجة إلى وعي استثماري وتقني، يبقى التوازن هو الحل — بأن تُستثمر هذه التقنية كأداة دعم، لا كطريق مختصر نحو “الربح المضمون” الذي كثيراً ما يقود إلى خسارة مؤكدة.