logo
اقتصاد

87 مليار دولار.. استثمارات إماراتية سعودية في الأمن المائي الخليجي

متوسط استهلاك الفرد للمياه في الخليج يبلغ 463 متراً مكعباً سنوياً

87 مليار دولار.. استثمارات إماراتية سعودية في الأمن المائي الخليجي
عامل لدى الهيئة السعودية للمياه، المملكة العربية السعوديةالمصدر: موقع الهيئة السعودية للمياه الإلكتروني
تاريخ النشر:

تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً استراتيجياً عميقاً في رؤيتها للمياه، إذ لم تعد تُعاملها كقضية بيئية محدودة، بل كركيزة مركزية لبناء اقتصادات مرنة ومتنوعّة قادرة على المنافسة عالمياً.

فبعد عقود كانت فيها الندرة المائية تمثل قيداً طبيعياً على النمو، أصبحت اليوم محفزاً للابتكار والاستثمار والتعاون الإقليمي، في مشهد يعكس انتقال المنطقة من إدارة الندرة إلى هندسة الاستدامة.

وباستثمارات تفوق 87 مليار دولار، تقود المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مشاريع متقدمة في التحلية، والمعالجة، وإدارة الموارد عبر التقنيات الذكية، ضمن استراتيجيات تربط بين أمن المياه وأمن الطاقة والغذاء.

أخبار ذات صلة

إدراج الأمن المائي كجزء أساسي في جدول أعمال COP28

ولا تهدف هذه الرؤية الجديدة فقط إلى ضمان الإمدادات، بل إلى إعادة تصميم العلاقة بين التنمية والبيئة، وجعل المياه محركاً للنمو الصناعي والعمراني، وجسراً نحو مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً.

ويصف كارل سايكس، الرئيس التنفيذي لمجموعة «نبتون بي تو بي» (Neptune P2P)، المتخصصة في الأمن البحري وحماية الأصول الحيوية، هذا التحول بأنه «نقلة فكرية تجعل من أمن المياه استثماراً استراتيجياً في المستقبل، يعزز ثقة المستثمرين والمجتمعات في قدرة الخليج على بناء اقتصادات مستقرة وآمنة».

تحوّل في معادلة الطلب والاستهلاك

تُظهر دراسة بحثية حديثة صادرة عن مؤسسة «سبرينغر» (Springer) للأبحاث الأكاديمية أن متوسط استهلاك الفرد للمياه في دول الخليج يبلغ نحو 463 متراً مكعباً سنوياً، يوجّه 76% منها للزراعة، و19% للاستخدام المنزلي، و5% للأغراض الصناعية. ويكشف هذا التوزيع واقعاً مركّباً: فالزراعة، رغم كونها العمود الفقري للأمن الغذائي، تبقى المستهلك الأكبر والأكثر قابلية للتحول الإيجابي.

وتوضح الدراسة أن خفض نمو الطلب السنوي إلى 1–2% فقط، إلى جانب توسيع استخدام المياه المعالجة واعتماد أنظمة ري ذكية، يمكن أن يغيّر مسار إدارة الموارد المائية في المنطقة جذرياً.

فمن خلال التقنيات المناخية والزراعة الدقيقة، تستطيع دول الخليج زيادة إنتاجيتها الزراعية وتقليل بصمتها المائية والكربونية، في انسجام تام مع أهداف الاكتفاء الغذائي منخفض الانبعاثات.

ويمثل هذا التوجه تحولاً نوعياً في التفكير التنموي الخليجي، حيث لم يعد النظر إلى المياه يتم بمعزل عن بقية عناصر المنظومة الاقتصادية، بل باعتبارها الركيزة التي يتقاطع عندها الغذاء والطاقة والاستدامة. وهو وعي استراتيجي جديد يعيد تعريف مفهوم «الأمن الوطني» في القرن الحادي والعشرين.

مصنع تابع لشركة مرافق الكهرباء والمياه بالجبيل وينبع (مرافق).
مصنع تابع لشركة مرافق الكهرباء والمياه بالجبيل وينبع (مرافق). المصدر: حساب الشركة عبر منصة «إكس»

من إدارة الندرة إلى بناء الاستدامة

يكشف تقرير لـ«البنك الدولي» أن دول الخليج، رغم محدودية مواردها الطبيعية، نجحت في بناء إحدى أكثر منظومات إدارة المياه تطوراً في العالم، بفضل تبنيها تقنيات التحلية المتقدمة، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وربطها بأنظمة طاقة نظيفة ومنخفضة الانبعاثات.

ويصف البنك هذا النموذج بأنه «أحد أكثر التجارب إلهاماً في توظيف التكنولوجيا لتحويل الندرة إلى استدامة».

كما يشير تقرير لـ«معهد التنمية الخارجية» (IDS) إلى أن المنطقة أصبحت «مختبراً عالميًا للابتكار المائي»، حيث تتكامل البنية التحتية الذكية مع السياسات البيئية والحكامة الإقليمية لإنتاج نموذج تنموي فريد يستند إلى الكفاءة والمرونة.

ولا يمثل هذا التحول مجرد تقدم تقني، بل يعكس نضجًا سياسياً واقتصادياً في فهم العلاقة بين التنمية والبيئة. فالاستثمار البالغ 87 مليار دولار في البنية التحتية المائية لا يُقاس اليوم بحجم الأنابيب أو عدد المحطات، بل بقدرته على تحفيز الصناعات الخضراء، وتعزيز أمن الطاقة، وتمكين الزراعة المستدامة.

الابتكار كقلب المنظومة الجديدة

يقف الابتكار التقني في صميم التحول الذي تشهده المنطقة. فأنظمة الذكاء الاصطناعي والتحليل التنبئي باتت قادرة على توقع الطلب المائي قبل حدوثه، فيما تتيح التوائم الرقمية مراقبة محطات التحلية وتوزيع المياه في الزمن الحقيقي، وتعمل المستشعرات الذكية على كشف التسربات والاختراقات فوراً، ما يحوّل الإدارة من رد فعل إلى استباق.

ويؤكد كارل سايكس أن «الابتكار في الخليج لم يعد خياراً تقنياً بل ثقافة تشغيلية متكاملة. فالتكنولوجيا هنا ليست وسيلة للحماية فقط، بل أداة لبناء الثقة بين الحكومات والمستثمرين والمجتمعات».

وقد جعل هذا النهج دول الخليج في طليعة المناطق الأكثر أماناً وكفاءة في إدارة المياه عالمياً، خصوصاً في مجال دمج الطاقة المتجددة مع التحلية، ما يرسّخ مكانتها كمنطقة تقود التحول نحو اقتصاد مائي ذكي ومستدام.

تكامل إقليمي نحو بنية تحتية ذكية

يرى «معهد الشرق الأوسط» (MEI) أن التعاون بين دول الخليج في قضايا المياه يدخل مرحلة نضج جديدة، تتجسد في مشاريع عابرة للحدود تربط بين التحلية والطاقة المتجددة والنقل المائي، ضمن رؤية تسعى لتحقيق الأمن الجماعي والاستدامة المشتركة.

وقد بلغت الاستثمارات البيئية المشتركة في المنطقة 58 مليار دولار بين نوفمبر 2024 ومارس 2025، وخصص نحو 38% منها لمشروعات تكاملية خليجية تشمل خطوط مياه وطاقة هجينة تعمل بالهيدروجين والطاقة الشمسية.

تُبرز هذه الأرقام تحول الوعي الخليجي من العمل الفردي إلى التكامل المؤسسي، إذ باتت المياه تُدار كشبكة مصالح واستراتيجيات مشتركة تعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي معاً. فالخليج اليوم لا يبني بنية تحتية مائية فحسب، بل نظاماً إقليمياً متكاملاً للأمن والتنمية.

أخبار ذات صلة

محطة لتحلية المياه في مدينة صور العُمانية، جنوب العاصمة مسقط، 27 نوفمبر 2019.

بين شح المياه وتقلبات النفط.. اقتصاد عُمان أمام اختبار المناخ والديون

من الأمن إلى الريادة

تتجه دول الخليج اليوم إلى ما هو أبعد من تأمين مواردها المائية؛ فهي تؤسس نموذجاً عالمياً جديداً للأمن المائي القائم على التكنولوجيا والحوكمة المستدامة والتكامل الإقليمي.

ويؤكد سايكس أن هذا النموذج «لا يحمي الموارد فحسب، بل ينشئ قيمة اقتصادية مستدامة، ويضع المنطقة في مقدمة العالم في إدارة المياه الذكية».

لقد أصبحت المياه جزءاً من القوة الناعمة الخليجية، وأداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي، ومصدر ثقة للمستثمرين العالميين. وبينما تواجه مناطق أخرى أزمات مائية خانقة، يثبت الخليج أن الاستثمار في المعرفة والتقنية والحوكمة يمكن أن يحوّل الندرة إلى وفرة، والتحدي إلى ريادة، وهو الدرس الذي يقدمه للعالم من قلب الصحراء.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف