logo
اقتصاد

بين شح المياه وتقلبات النفط.. اقتصاد عُمان أمام اختبار المناخ والديون

بين شح المياه وتقلبات النفط.. اقتصاد عُمان أمام اختبار المناخ والديون
محطة لتحلية المياه في مدينة صور العُمانية، جنوب العاصمة مسقط، 27 نوفمبر 2019.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تواجه سلطنة عُمان تداخلاً متزايداً بين المخاطر الاقتصادية والبيئية من شأنه أن يحدد مسار نموها لعقود مقبلة. فارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الأعاصير المدارية، وتصاعد شح المياه يتزامن مع ضغوط مالية واعتماد كبير على إيرادات النفط، ما يبرز الحاجة الملحة للإسراع في تنفيذ إصلاحات رؤية عُمان 2040.

ورغم ما تتمتع به السلطنة من استقرار، حذر اقتصاديون، وفق تقرير لـ«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، من أن التغير المناخي يشكل تحدياً أقل قابلية للتنبؤ، إذ يفاقم من مخاطر انعدام الأمن الغذائي، ويزيد كلفة الدعم الحكومي، ويهدد البنية التحتية الساحلية، في اقتصاد ما يزال معتمداً بشكل كبير على الهيدروكربونات.

أخبار ذات صلة

جانب من توقيع مذكرتي التفاهم بين مجموعة «أوكيو»العُمانية وشركة تسويق النفط العراقية «سومو»، في سلطنة عُمان

العراق يدرس إنشاء خط أنابيب لسلطنة عمان لتعزيز صادرات النفط الخام

ضغوط الاستدامة المالية

لا يزال النفط والغاز الركيزة الأساسية للاقتصاد العُماني، إذ يشكّلان غالبية إيرادات الدولة والصادرات. ورغم تقدم جهود التنويع، فقد بلغت مساهمة الهيدروكربونات أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، انخفاضاً من نحو نصف الناتج في عام 2000. ورغم توسع مساهمة قطاعي الخدمات والصناعة، لم يتمكن الاقتصاد بعد من التحصن ضد تقلبات أسعار النفط.

وتفاقمت التحديات مع تسارع جهود إزالة الكربون عالمياً، حيث يهدد تراجع الطلب على الوقود الأحفوري أسواق التصدير ويرفع مخاطر تجميد الأصول، ما يضع الاستدامة المالية أمام اختبار صعب.

وقد ارتفع الدين العام في السنوات الأخيرة، فيما واصلت الحكومة تخصيص مبالغ كبيرة للدعم. ففي عام 2025 ارتفع دعم الكهرباء إلى 520 مليون ريال، أي 1.35 مليار دولار، بزيادة 13% عن 2024، بينما حصل قطاع المياه والصرف الصحي على 194 مليون ريال، أي 504 ملايين دولار.

ورغم أن هذه النفقات تعكس التزام الحكومة بالحفاظ على أسعار خدمات ميسورة للمواطنين، إلا أنها تحدّ من القدرة المالية على تمويل مشاريع التكيف المناخي طويلة الأجل. ويرى محللون أن إنشاء «الصندوق الوطني للحالات الطارئة» يُعد خطوة إيجابية، إلا أن الاستثمارات الأوسع في تعزيز المرونة المناخية ما تزال محدودة.

الزراعة تحت الضغط

يسهم القطاع الزراعي بنسبة تفوق قليلاً الـ2% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن أهميته تتجاوز حجمه الاقتصادي، إذ يمثل ركيزة للأمن الغذائي ومعيشة السكان في المناطق الريفية. غير أن القطاع يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل التغير المناخي، بما في ذلك تذبذب هطول الأمطار، وتوسع رقعة التصحر، وارتفاع ملوحة التربة. كما تشهد أنظمة الري التقليدية (الأفلاج) تراجعاً نتيجة نضوب المياه الجوفية.

وبالنظر إلى محدودية الموارد المائية المتجددة، تصنَّف عُمان بين أكثر دول العالم شحّاً للمياه. كما يهدد ارتفاع مستوى البحر الأراضي الزراعية الساحلية ومحطات التحلية التي توفر معظم مياه الشرب. وتترتب على ذلك تبعات مالية، إذ يؤدي تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة الاعتماد على الواردات، ما يرفع كلفة الدعم ويعرض الاقتصاد لصدمات أسعار الغذاء العالمية.

منطقة السوادِي السياحية في سلطنة عُمان، 14 فبراير 2017.
منطقة السوادِي السياحية في سلطنة عُمان، 14 فبراير 2017. المصدر: أ ف ب

تصاعد المخاطر البيئية

يضع الموقع الجغرافي لعُمان، على الطرف الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، البلاد في مرمى الظواهر المناخية المتطرفة. فقد أصبحت الأعاصير القادمة من بحر العرب أكثر تواتراً وشدة، مهددة مدناً ساحلية مثل مسقط وصلالة حيث تتركز الأنشطة الاقتصادية، وفق التقرير.

كما تتأثّر محطّات توليد الكهرباء العاملة بالغاز بانخفاض كفاءتها خلال موجات الحر الشديد، فيما تؤدّي الفيضانات إلى تعطيل شبكات الطاقة والنقل. وتترجم هذه المخاطر إلى تكاليف مالية مباشرة تشمل الإنفاق على الإغاثة وإعادة الإعمار، فضلاً عن تكاليف غير مباشرة كإضعاف جاذبية الاستثمار وتأخير مشاريع التنويع الاقتصادي.

الأطر السياسية والتحول الأخضر

اعتمدت عُمان مجموعة من الاستراتيجيات لمواجهة هذه التحديات، أبرزها «المساهمة المحددة وطنياً» (NDC)، و«الاستراتيجية الوطنية للتكيف والتخفيف من آثار تغير المناخ» (2020–2040)، و«استراتيجية الوصول إلى الحياد الصفري»، إضافة إلى «استراتيجية الهيدروجين الأخضر».

وتتضمن «المساهمة المحددة وطنياً» المحدثة تعهّداً بخفض صافي الانبعاثات بنسبة 21% بحلول عام 2030، مقارنة بـ7% فقط في الالتزامات السابقة. ويتطلّب ذلك تنفيذ تدابير كفاءة الطاقة، والتوسع في الكهرباء الخضراء، والاستثمار في الطاقة المتجددة. غير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرهوناً بتوفير التمويل المناخي الدولي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

وتضع «رؤية عُمان 2040» الاستدامة كأحد محاورها الرئيسة، مستهدفة الانتقال التدريجي نحو اقتصاد دائري منخفض الكربون. ويُنظر إلى الهيدروجين الأخضر كقطاع تصديري واعد قد يعوّض مستقبلاً تراجع عائدات النفط والغاز. كما تشهد الاستثمارات في الطاقة الشمسية والرياح زخماً متزايداً، وإن كانت ما تزال محدودة مقارنة بالقاعدة الأحفورية للاقتصاد.

فجوات في الحوكمة والاستثمار

رغم وضوح الإطار السياسي، تواجه عملية التنفيذ تحديات بارزة، إذ تُظهر التقييمات أن معظم الأدوات المؤسسية تفي بمعايير الشفافية والمساءلة، غير أن قلّة منها تحدد جداول زمنية دقيقة للتنفيذ، ما يضعف آليات المتابعة.

كما يبقى إشراك القطاع الخاص محدوداً، إذ لا تشير سوى قلة من المراسيم إلى دور المزارعين أو الشركات، فيما يقل ذكر منظمات المجتمع المدني. وتستمر وزارات محورية مثل «هيئة البيئة» في العمل بميزانيات محدودة، ما يجعلها تعتمد بشكل كبير على التمويل الدولي لدعم مشروعاتها.

وتفاقم فجوات القدرات البشرية والمالية التحديات. فرغم إطلاق برامج توعية وتدريب في قطاعات مثل الزراعة والطاقة، يرى محللون أن الأمر يتطلب دعماً مؤسسياً أعمق لدمج المرونة المناخية في التخطيط الاقتصادي، وفق التقرير.

أخبار ذات صلة

صورة جوية لجانب من العاصمة العمانية مسقط، يوم 8 فبراير 2025.

أصول جهاز الاستثمار العماني تلامس 52 مليار دولار

السياسات المناخية والتنويع الاقتصادي

شدّد خبراء الاقتصاد على أن النمو في عُمان على المدى البعيد يتوقف على دمج السياسات البيئية بالإصلاحات الاقتصادية. فالتباطؤ في هذا المسار قد يضاعف الضغوط المالية عبر تضخم كلفة الدعم، وارتفاع الاعتماد على الواردات، وتباطؤ التنويع.

في المقابل، يرون أن جذب الاستثمار الجريء في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الخضراء والزراعة المستدامة رؤوس أموال أجنبية ويقلل من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسواق النفط.

كما يضيف البعد الديموغرافي إلحاحاً أكبر، إذ يبلغ عدد سكان السلطنة نحو 5 ملايين نسمة، مع نسبة مرتفعة من الشباب الباحثين عن فرص عمل وخدمات أفضل. ويمكن للقطاعات الحساسة للمناخ مثل الزراعة ومصايد الأسماك والسياحة أن توفر وظائف جديدة إذا تلقت الدعم الكافي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف