logo
طاقة

بين المناخ والنفط.. العراق يسابق الزمن لإنقاذ اقتصاده بخطة 2030

بين المناخ والنفط.. العراق يسابق الزمن لإنقاذ اقتصاده بخطة 2030
انخفاض هطول الأمطار أثر سلباً على مستويات المياه، السليمانية، العراق، 23 مايو 2025.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

في مواجهة واحدة من أكبر أزمات القرن، يقف العراق على مفترق طرق بين مستقبل مهدّد بالجفاف والتصحر وتراجع الإيرادات النفطية، ومستقبل آخر أكثر استدامة يحاول رسمه عبر «خطة الاستثمار المناخي الوطني 2030».

الخطة التي أعلنتها الهيئة الوطنية للاستثمار في 16 سبتمبر الجاري تمثل محاولة جريئة لكبح تداعيات التغير المناخي وتنويع الاقتصاد، في بلد يخسر 7% من ناتجه المحلي سنوياً بسبب آثار المناخ، ويعتمد بنسبة 92% على النفط كمصدر رئيس لإيراداته.

أخبار ذات صلة

رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار حيدر محمد مكية خلال ورشة عن مشروع خطة الاستثمار المناخي الوطني في بغداد، يوم 16 سبتمبر 2025.

العراق يطلق خطة الاستثمار المناخي بمشاريع تتجاوز 3 مليارات دولار

وتنفذ المرحلة الأولى من الخطة مشروعات على مدى 5 سنوات حتى 2030، باستثمارات تصل إلى 3.3 مليار دولار، كخطوة طموحة لمواجهة تداعيات التغير المناخي ودفع التنويع الاقتصادي نحو نمو مستدام، مع تقليل الانبعاثات الكربونية وخلق المزيد من الوظائف.

وأوضح رئيس الهيئة حيدر محمد مكية، أن خطة الاستثمار المناخي الوطني تغطي 5 مسارات أساسية وهي الطاقة والطاقة المتجددة، والزراعة، والصناعة، والمياه، والابتكارات والإبداعات.

وأعلن مكية أن المرحلة الأولى من الخطة سينفذ فيها عدد من المشاريع من خلال تمويل صناديق المناخ الأخضر (GCF) وبمبلغ يتراوح بين 1.3 إلى 3.3 مليار دولار ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) في إطار عملي واستراتيجي لتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع الخضراء والمستدامة.

تحدٍ كبير

وتعد تداعيات التغير المناخي أحد أكبر التحديات التي يواجهها العراق، حيث يهدد الجفاف والتصحر نحو 70% من الأراضي الزراعية، مع انخفاض تدفق نهري دجلة والفرات وارتفاع ملوحة المياه، وهو ما يهدد الأمن الغذائي لنحو 60% من السكان الذين يعتمدون على الزراعة، وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).

ويتوقع أن تؤدي التغيرات المناخية في العراق إلى فقدان نحو 39% من مساحة العراق، وخسارة 54% من الأراضي الزراعية بسبب تملح التربة. كما تخسر الدولة نحو 10 مليارات دينار يومياً جراء التغير المناخي، وفقاً لوزارة البيئة العراقية.

هذه الانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية، تضعف البنية التحتية في العراق، وتعيق النمو غير النفطي وتزيد الاعتماد على واردات السلع الغذائية، في بلد يحتاج إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لمواجهة الأزمات العالمية، وفقاً للخبير الاقتصادي العراقي نبيل المرسومي.

وفي حديثه مع «إرم بزنس»، يرى المرسومي أن خطة الاستثمار المناخي الوطني تمثل خطوة حاسمة نحو إعادة رسم الاقتصاد العراقي من جديد وتنويعه، والاتجاه نحو التنمية المستدامة وخلق المزيد من فرص العمل.

ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإنه يتوقع أن جهود العراق في مواجهة تحديات المناخ سوف تسهم في خلق 500 ألف وظيفة جديدة في القطاعات غير النفطية بحلول 2030، وهو ما سيخفض البطالة إلى 10% بحلول 2028 ويحقق نمواً غير نفطي بنسبة 4.24% سنوياً.

كما أنه من المتوقع أن تحول الخطة الاقتصاد العراقي من اقتصاد يعتمد على النفط إلى نموذج اقتصادي مستدام، وزيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 40% من الناتج المحلي مقابل 25% حالياً، وهو ما يعزز القدرة المالية للدولة مع انخفاض أسعار النفط.

يبدأ موسم جني التمور مع ارتفاع درجات الحرارة في البصرة، العراق، حيث يباشر المزارعون حصاد محصولهم في الثاني من سبتمبر 2025.
يبدأ موسم جني التمور مع ارتفاع درجات الحرارة في البصرة، العراق، حيث يباشر المزارعون حصاد محصولهم في الثاني من سبتمبر 2025. المصدر: (أ ف ب)

تنويع الاقتصاد

من جانبه، يؤكد خبير الطاقة العراقي علي حسين، في حديثه مع «إرم بزنس»، أن هذه الخطة سوف تساعد في تقليص اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط الذي شكلت إيراداته نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وتبعده عن التقلبات التي قد يتعرض لها بسبب أسعاره العالمية.

وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2025، أن إنتاج العراق من النفط بلغ 3.9 مليون برميل يومياً، لكن توقعات انخفاض الأسعار إلى 70 دولاراً للبرميل في العام 2026 تهدد إيراداته، مع توقعات بعجز مالي قد يصل إلى 40% من الناتج المحلي.

ويوضح حسين أن الاقتصاد غير النفطي، الذي يشمل الزراعة والصناعة، ينمو بمعدل 2% سنوياً مقيداً بإنتاجية منخفضة واستثمارات محدودة، ولكن مع تدشين خطة الاستثمار المناخي فإنه يتوقع أن ترتفع نسبة مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.

جذب الاستثمارات

بدوره، يرى الخبير العراقي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدكتور منذر اللباد، خلال حديثه مع «إرم بزنس»، أن خطة الاستثمار المناخي سوف تعتمد على شراكات بين القطاع العام والخاص لتمويل 50% من الاستثمارات، مع تبسيط التراخيص في 30 يوماً وتقديم إعفاءات ضريبية لـ10 سنوات في القطاعات الخضراء.

وبحسب اللباد، تضمن مؤسسة التمويل الدولية مليار دولار للمشاريع الخاصة، وصناديق دعم تصل إلى 500 مليون دولار للابتكارات، مشيراً إلى أن الخطة تعزز الاندماج الدولي للعراق عبر منظمة التجارة العالمية والبنك الأوروبي للتنمية وإعادة الإعمار.

نقطة تحوّل

ويؤكد الخبير العراقي أن نجاح هذه الخطة التي تمثل «نقطة تحول» للاقتصاد العراقي، يعتمد على التنفيذ الفعال والدعم الدولي، والتوسع في الاستثمارات المستدامة، مشيراً إلى أن تطوير الطاقات والصناعات منخفضة الكربون سوف يوفر فرصة للتنويع الاقتصادي في العراق مع زيادة مشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي.

ومع ذلك، يُحذر اللباد من تحديات رئيسة مثل الخبرة المحدودة في القطاعات المناخية وتأمين التمويل اللازم، لذلك يوصي باستخدام السندات الخضراء وعقد الشراكات لجذب الخبرات والاستثمارات في الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة، وهو ما يقلل اعتماد العراق على النفط بنسبة تصل إلى 25% بحلول 2030.

أخبار ذات صلة

حقل نفط في إقليم كردستان العراق.

الاقتصاد العراقي.. متى يخرج من عباءة النفط؟

الاستدامة المالية

وفي السياق ذاته، يؤكد تقرير لصندوق النقد الدولي، أن زيادة الإيرادات غير النفطية في العراق يجب أن تكون أولوية رئيسة بسبب انخفاض أسعار النفط المتوقع، وذلك لضمان الاستدامة المالية طويلة الأمد.

ويتوقّع العراق تحقيق إيرادات نفطية بنحو 631 تريليون دينار (482 مليار دولار) خلال الفترة من عام 2024 إلى 2028، والإيرادات غير النفطية بـ79 تريليون دينار، ما يعني أن قطاع النفط يعد المساهم الأكبر في ميزانية البلاد، وفق وزارة التخطيط العراقية.

وترجح تقديرات صندوق النقد الدولي تراجع عائدات العراق النفطية من 99.2 مليار دولار في عام 2024 إلى 84.2 مليار دولار في 2025 ثم إلى 79.2 مليار دولار في 2026، متأثرة بانخفاض أسعار النفط العالمية.

وبحسب الصندوق، تراجعت أسعار النفط من 80.6 دولار للبرميل العام الماضي إلى 65.9 دولار للبرميل هذا العام، مع توقع انخفاضه إلى 62 دولاراً للبرميل في العام المقبل، وهو ما يعكس ضغوطاً على الإيرادات المستقبلية للعراق رغم استمرار هيمنة النفط على الاقتصاد الوطني.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف