
تضع تقديرات صندوق النقد الدولي بشأن مساهمة طروحات الأصول المصرية وإطالة آجال أذون الخزانة وإدارة الالتزامات طوعيا في خفض الاحتياجات التمويلية للدولة، السياسات المالية المصرية تحت المجهر، حيث تتجه الأنظار إلى مدى فاعلية هذه الإجراءات في تخفيف أعباء الدين والتمويل خلال العام المالي 2026-2027، ومدى إمكانية تحقيق خفض مستدام للاحتياجات التمويلية.
في هذا السياق، أكد أستاذ الاقتصاد والمستشار بالبنك الدولي، محمود عنبر، لـ«إرم بزنس»، أن تقدير صندوق النقد الدولي لمساهمة حصيلة طروحات الأصول المصرية، يعد توصيفاً دقيقاً من الناحية المحاسبية، مشيراً إلى أن الحصيلة ستسهم في سد جزء من الاحتياجات أو الفجوة التمويلية للدولة.
بحسب تقديرات الصندوق، تسهم حصيلة طروحات الأصول المصرية البالغة 920 مليون دولار في خفض الاحتياجات التمويلية بما يعادل نحو 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تسهم إطالة آجال أذون الخزانة بنحو 2.5%، وعمليات إدارة الالتزامات طوعيًا بنحو 2.3%، ليستهدف البرنامج خفض الاحتياجات التمويلية الإجمالية بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2026-2027.
أوضح عنبر في أن قيمة 920 مليون دولار تعبر إلى حد كبير عن نجاح سياسة الطروحات الحكومية كبداية موفقة، إلا أن نسبتها إلى إجمالي الناتج المحلي البالغة 0.2% تعني أن آثارها الفورية على خفض الاحتياجات التمويلية للدولة لن تكون كبيرة، مشيراً إلى أن الأهمية الأساسية لهذه النسبة تتمثل في التعبير عن نجاح السياسة المتبعة في هذا الإطار وبرنامج الطروحات.
كما أضاف أن برنامج الطروحات الحكومية يمنح درجة أكبر من الثقة للمستثمرين والقطاع الخاص، خصوصاً في ظل الأيديولوجيا الاقتصادية التي تبنتها الدولة من خلال وثيقة ملكية الدولة، والتي تستهدف تخارج الحكومة من بعض القطاعات الاقتصادية لإفساح المجال أمام القطاع الخاص.
كذلك أشار إلى أن تعزيز الثقة يمثل عاملاً مهماً في ظل معاناة مناخ الاستثمار على المستوى العالمي من أزمة ونقص في الثقة، موضحاً أن هذه السياسة قد تمنح الدولة المصرية ميزة مهمة في المنطقة، في ظل تداعيات التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى هروب رؤوس الأموال إلى ما يطلق عليه الملاذات الآمنة، بما قد يتيح لمصر استقطاب جزء من الاستثمارات التي خرجت من مناطق وبؤر التوتر المحيطة بالشرق الأوسط.
عن إطالة آجال أذون الخزانة، التي يقدر صندوق النقد الدولي أنها تخفض الاحتياجات التمويلية بما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، قال عنبر إنها أكثر تأثيراً من طروحات الأصول، لأنها تخفف من مخاطر إعادة التمويل، كما أنها تمثل أداة أكثر فعالية في كفاءة إدارة الدين.
وأشار إلى أن التأثيرات المجمعة لكل من طروحات الأصول، وإطالة آجال أذون الخزانة، وإدارة الالتزامات طوعياً، تسهم إلى حد كبير في تخفيف أعباء الدين وخدمة الدين وتقليل الأعباء عن الموازنة العامة المصرية، لافتاً إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن هذه الحزمة من الإجراءات تسهم في خفض الاحتياجات التمويلية بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
كذلك أكد عنبر أن طروحات الأصول في صورتها الحالية ليست حلاً مستداماً ولا يمكن التعويل عليها بصورة مستمرة، وإنما تمثل إجراءً استثنائياً ومؤقتاً، خصوصاً في ظل الظروف الدولية الصعبة، موضحاً أن أصول الدولة موارد محدودة يجب الحفاظ عليها للأجيال المقبلة.
عنبر شدد أيضاً على أن الهدف هو تحويل حصيلة هذه الطروحات إلى استثمارات إنتاجية تحقق قيمة مضافة وتؤثر في مختلف مؤشرات الاقتصاد الكلي، مؤكداً أن هذه الحزم من الإجراءات ليست سوى أدوات للوصول إلى النتيجة الرئيسية، وهي دعم الاستثمار الإنتاجي.
وأوضح أن هذه الإجراءات من شأنها أيضا خلق قدر أكبر من الثقة لدى المستثمرين، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية والتداعيات المرتبطة بالتغيرات الجيوسياسية، مشيرا إلى أن زيادة الثقة تسهم في رفع التصنيف الائتماني ومنح المستثمرين درجة أكبر من اليقين، وهو ما يمثل ميزة مهمة في المنطقة.
أما عن الإجراءات الإضافية التي تحتاجها مصر للوصول إلى خفض مستدام للاحتياجات التمويلية، فاقترح عنبر العمل على توسيع القاعدة الضريبية، باعتبارها إحدى الأدوات المهمة لزيادة الحصيلة الضريبية، مشدداً على وجود فرق كبير بين زيادة معدلات الضرائب، التي قد تؤدي إلى تعطيل الاستثمار، وبين توسيع القاعدة الضريبية من خلال إدخال المزيد من الشركات والمنتجات والمنتجين غير الخاضعين للضريبة.
أضاف محمود عنبر أن التصنيع وتوطين الصناعات يمكن أن يساهما في زيادة الصادرات وتوفير فرص العمل وتحفيز الطلب الكلي، إلى جانب أهمية تطبيق أطر الإنفاق متوسط الأجل، والتي جرى تطبيقها في العديد من التجارب الدولية.
ولفت إلى أن هذه الأطر تتضمن وضع سقف معين للاقتراض، إلى جانب عدد من الإجراءات الخاصة بإدارة الدين العام وزيادة كفاءة الإنفاق، مؤكدًا أن الهدف ليس مجرد ترشيد النفقات، وإنما رفع كفاءة الإنفاق، لأن مفهوم ترشيد النفقات قد يُفهم باعتباره تقليلًا للإنفاق، وهو ما قد يؤدي في بعض المجالات إلى تراجع الإيرادات، بينما كفاءة الإنفاق يمكن أن تسهم في خفض الاحتياجات التمويلية وتقليل الاعتماد بشكل كبير على الاقتراض.