18 ألف وظيفة محتملة

في اقتصاد يعاني من تباطؤ الطلب، وارتفاع معدلات البطالة، لا تبدو الزيادات المحدودة في الدخول، عادة، قادرة على إحداث تحول جوهري في مسار النمو، إلا أن القرار المرتقب للحكومة الأردنية بمنح زيادة شهرية تقارب 42 دولاراً للفئات ذات الدخل المنخفض، يفتح الباب أمام قراءة مختلفة، تضع هذا الإجراء في موقع أعمق بكثير من مجرد دعم اجتماعي، ليبدو كأداة تحفيز اقتصادي مباشر تستهدف إعادة تشغيل الطلب من القاعدة.
التحليل الأولي الصادر عن منتدى الإستراتيجيات الأردني يشير إلى أن ضخ ما يقارب 381 مليون دولار سنوياً في الاقتصاد قد يرفع معدل النمو بنحو نصف نقطة مئوية، بينما قد يتضاعف الأثر في حال تحرك القطاع الخاص بالتوازي. إلا أن هذه القراءة، رغم أهميتها، لا تعكس كامل الصورة الاقتصادية، بحسب خبراء المالية العامة.
في هذا السياق، يقول عمر الغرايبة، أستاذ المالية العامة في جامعة آل البيت، في حديثه لـ«إرم بزنس» إن «الزيادة المقترحة لا يمكن اختزالها كإجراء اجتماعي، بل هي واحدة من أقوى أدوات التحفيز الاقتصادي الممكنة في السياق الأردني، لأن الفئة المستهدفة لا تدخر—هي تنفق فوراً، وهذا هو جوهر التحفيز الحقيقي».
ويضيف: «عندما نتحدث عن فئة يتجاوز ميلها الحدّي للاستهلاك 90%، فهذا يعني أن كل دولار إضافي يتحول مباشرة إلى طلب في السوق، وليس إلى ادخار معطل، وبالتالي الأثر الحقيقي يفوق بكثير الأرقام الرسمية».
وبحسب تقديراته، فإن ضخ ما يصل إلى 609 ملايين دولار سنوياً في حال شمول القطاعين العام والخاص، ومع أخذ مضاعف الإنفاق بعين الاعتبار، يمكن أن يولد أثراً اقتصادياً يتجاوز حاجز المليار دولار، وهو ما يمثل قرابة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يعكس حساسية الاقتصاد الأردني للطلب الاستهلاكي المنخفض الدخل.
ولا يقتصر هذا الأثر على النمو فقط، بل يمتد إلى المالية العامة، يوضح الغرايبة أن «المال الذي تضخه الحكومة لا يختفي، بل يعود جزئياً عبر الضرائب، خاصة ضريبة المبيعات، ما يعني أن الكلفة الفعلية أقل مما تبدو عليه في الحسابات الأولية».
أما على مستوى الاقتصاد الحقيقي، فإن الأثر يمتد، بشكل مباشر، إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد، بشكل كبير، على الطلب المحلي. وفي هذا الإطار، يشير الغرايبة إلى أن: «غالبية هذا الإنفاق ستتجه إلى الأسواق المحلية الصغيرة، من بقالات ومطاعم وخدمات، وهو ما يعيد ضخ السيولة في أكثر القطاعات هشاشة، ويعزز قدرتها على الاستمرار والتوسع».
في المقابل، يطرح الخبير المالي ساهر العدوس قراءة أكثر حذراً، حيث يرى أن فاعلية هذه السياسة مرتبطة بالكامل بطريقة تمويلها، محذراً من الانزلاق نحو تمويلها عبر الدين العام.
ويقول العدوس لـ«إرم بزنس»: «القرار ذكي من حيث الاستهداف، لكنه خطير إذا مُوّل بالاقتراض، عندها يتحول من محفز اقتصادي إلى عبء مالي، لأن أي أثر إيجابي سيُمتص في خدمة الدين».
ويضيف: «نجاح هذه الزيادة لا يقاس فقط بحجمها، بل بقدرتها على تحريك الاقتصاد دون خلق اختلالات مالية، وهذا يتطلب تمويلها من وفر حقيقي وليس من العجز».
ورغم هذا التحفظ، يتفق الخبيران على أن الأثر على سوق العمل سيكون ملموساً، إذ يمكن أن تسهم هذه الزيادة في خلق ما بين 12 إلى 18 ألف فرصة عمل، نتيجة تنشيط الطلب في القطاعات الخدمية والتجارية، وخفض معدلات البطالة بشكل تدريجي.
ولا تبدو هذه الزيادة مجرد إجراء اجتماعي محدود، بل تدخل اقتصادي محسوب يستهدف تحريك الطلب المحلي من الأسفل إلى الأعلى، عبر ضخ السيولة في أكثر الفئات قدرة على تدويرها داخل الاقتصاد.
وبين تفاؤل الخبراء وتحذيراتهم، يبقى العامل الحاسم واضحاً: إذا تم تمويل هذه السياسة من موارد حقيقية، فقد تتحول إلى واحدة من أكثر أدوات التحفيز كفاءة في الاقتصاد الأردني؛ أما إذا أُسيء تمويلها، فقد تفقد معظم زخمها قبل أن تصل إلى السوق.