
تراهن الصين على توظيف التكنولوجيا والخبرات الزراعية لمكافحة التصحر في منطقة الساحل الإفريقي، عبر مشاريع تجمع بين الابتكار الزراعي، وحماية النظم البيئية، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه مبادرة «الجدار الأخضر العظيم» في إفريقيا تحديات تمويلية وأمنية ومؤسسية، وسط تساؤلات عن قدرة الخبرات الصينية على تسريع استعادة الأراضي المتدهورة.
ويتناول تقرير نشرته مجلة «جون أفريك» الفرنسية إمكانات الاستفادة من التجربة الصينية في مكافحة التصحر، وحدود تطبيقها في البيئات الأفريقية المختلفة.
يبرز مشروع «بئر البركة» في موريتانيا نموذجاً لهذا التوجه، الذي يستهدف تحويل المناطق الجافة إلى مساحات منتجة تدعم الأمن الغذائي وتحسن سبل العيش، عبر ربط حماية البيئة بتوليد الثروة، وتوفير فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية.
على بُعد نحو 70 كيلومتراً شرق العاصمة الموريتانية نواكشوط، وفي ولاية الترارزة التي تتسم بارتفاع درجات الحرارة، وشح الأمطار، تختبر التجربة إمكانات الزراعة في بيئة شديدة القسوة.
فعلى الرغم من الظروف المناخية الصعبة والرياح المحملة بالرمال، تنمو محاصيل تشمل الملفوف والجزر والبنجر والفلفل، مستفيدة من التقنيات الزراعية والمعرفة العلمية للتكيف مع البيئة الصحراوية.
وأوضح التقرير أن أهمية المشروع لا تقتصر على إنتاج الخضراوات، بل تمتد إلى الاستفادة من الخبرات التي راكمتها الصين في مكافحة التصحر، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، مع تكييفها مع احتياجات منطقة الساحل.
تستند التجربة الصينية إلى جهود طويلة لمكافحة التصحر، شملت: تثبيت الكثبان الرملية، وزراعة الأشجار، وتطوير البنية التحتية، والاستفادة من الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة، حيث تندرج هذه الجهود ضمن توجه أوسع لدمج حماية البيئة في السياسات الاقتصادية والصناعية، من خلال الاستثمار في الطاقة النظيفة والتقنيات الخضراء والذكاء الاصطناعي، بما يدعم النمو الاقتصادي ويحد من الضغوط على الموارد الطبيعية.
لكن نقل التجربة الصينية إلى إفريقيا يتطلب مراعاة اختلاف الظروف المناخية والاجتماعية والاقتصادية، إذ إن نجاح مشاريع استصلاح الأراضي يرتبط بتوافر المياه، وملاءمة التقنيات للبيئة المحلية، وقدرة المجتمعات على صيانة المنشآت الزراعية والاستفادة منها اقتصادياً.
كما أن اختلاف أنظمة ملكية الأراضي والقدرات المؤسسية ومستويات التمويل يفرض تكييف الحلول مع الاحتياجات المحلية، بدلاً من تطبيق نموذج موحد على جميع المناطق.
تُعد مبادرة «الجدار الأخضر العظيم» إحدى أبرز المبادرات الإفريقية لمواجهة التصحر وتدهور الأراضي، وقد حظيت بدعم الاتحاد الأفريقي العام 2007، بهدف استعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع التغير المناخي، عبر نطاق يمتد من السنغال غرباً إلى جيبوتي شرقاً.
وتستهدف المبادرة استعادة 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتحسين الظروف المعيشية للسكان، إلا أن تنفيذ المشروع واجه عقبات، أبرزها: محدودية التمويل، وصعوبات التنسيق بين الدول المشاركة، فضلاً عن النزاعات المسلحة التي تعرقل تنفيذ الأعمال ومتابعتها في أجزاء من المنطقة.
وأظهرت التجربة أن زراعة الأشجار وحدها لا تكفي لتحقيق نتائج مستدامة؛ إذ تتطلب استعادة الأراضي إدارة فعالة للمياه والتربة، وإشراك السكان المحليين، وتوفير أنشطة اقتصادية تضمن استمرار حماية الموارد الطبيعية، لذلك تبرز أهمية النماذج التي تجمع بين إعادة تأهيل النظم البيئية وتطوير الزراعة والبنية التحتية، بما يحول مكافحة التصحر إلى رافعة للتنمية المحلية.
يمكن للطائرات المسيّرة وتحليل البيانات والتقنيات الزراعية الذكية أن تساعد في مراقبة تدهور الأراضي وتحديد المناطق الأكثر احتياجاً إلى التدخل، وتحسين إدارة المياه والمحاصيل،وكذلك يمكن للطاقة الشمسية دعم تشغيل أنظمة الري في المناطق التي تعاني ضعف الوصول إلى الكهرباء.
غير أن هذه الأدوات لا تمثل حلاً مستقلاً عن العوامل الأساسية لنجاح المشاريع، وفي مقدمتها استدامة الموارد المائية، وكلفة التشغيل والصيانة، ونقل المعرفة إلى المزارعين، وتوفير التمويل طويل الأجل.
وشدد التقرير على أن إشراك المجتمعات المحلية يظل عاملاً حاسماً، لأن المشاريع التي لا توفر عائداً اقتصادياً واضحاً للسكان قد تواجه صعوبات في الاستمرار.
كما تتطلب الاستفادة من الخبرة الصينية شراكات تضمن نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية، بدلاً من الاكتفاء بتوريد المعدات أو تنفيذ مشاريع محدودة الأثر.
تتجاوز مكافحة التصحر الجوانب التقنية إلى نقاش بشأن مسؤوليات الدول في مواجهة التحديات البيئية، حيث يؤكد مبدأ «المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة» ضرورة مراعاة اختلاف القدرات الاقتصادية والمسؤوليات التاريخية للدول عند توزيع أعباء حماية البيئة.
وبالنسبة إلى دول الساحل، لا يمكن فصل استعادة الأراضي عن زيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين مستويات المعيشة، وتوفير فرص العمل، لذلك، لا يُقاس نجاح المبادرات البيئية بمساحة الأراضي المستصلحة أو عدد الأشجار المزروعة فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وخلص تقرير المجلة الفرنسية إلى أن التجربة الصينية تتيح فرصاً للاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الزراعية في مواجهة التصحر، إلا أنها لا تضمن وحدها نجاح مبادرة «الجدار الأخضر العظيم»، ويظل التحدي في تحويل الابتكار إلى حلول مستدامة تتلاءم مع الظروف المحلية، وتجمع بين حماية الموارد الطبيعية وتوليد الدخل وتعزيز الأمن الغذائي، بدعم من التمويل المستدام، والشراكات الفعالة، ومشاركة المجتمعات المحلية.