
تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو تحول واسع في طريقة تعامل الشركات مع التعثر المالي، مدفوعاً بتزايد الضغوط التشغيلية وتغيّر ديناميكيات السوق من جهة، وبالإصلاحات التشريعية المتقدمة التي تقودها الإمارات والسعودية من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التحديات أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وسلاسل التوريد، تعيد المنظومات القانونية في البلدين صياغة مفهوم الإفلاس باعتباره أداة لإعادة الهيكلة واستمرارية الأعمال، لا بوابة للتصفية والخروج من السوق، وفق نماذج حديثة مستوحاة من المعايير الدولية.
تواجه العديد من الشركات في المنطقة ضغوطاً تمويلية ناجمة عن محدودية الوصول إلى الائتمان، وتقلّص هوامش السيولة، وامتداد دورات السداد بين الشركات.
هذه الضغوط المتراكمة تؤكد الحاجة إلى مسارات إنقاذ جديدة تمنح الشركات فرصة لتثبيت عملياتها قبل تفاقم الأزمات، وهو الاتجاه الذي بدأت السعودية والإمارات بالفعل في تبنّيه عبر تطوير منظومات تشريعية تركز على الاستباقية واستمرارية الأعمال، وتضع حلولاً واضحة لإعادة الهيكلة وحماية القيمة الاقتصادية.
وتمثل هذه الآليات إطاراً متكاملاً يمنح الشركات فرصة حقيقية لإنقاذ أعمالها والحفاظ على قيمتها قبل الوصول إلى مرحلة الإفلاس الكامل.
في هذا الإطار، قدّمت الإمارات واحدة من أكثر إصلاحات الإفلاس تطوراً في المنطقة عبر المرسوم بقانون اتحادي رقم (51) لسنة 2023، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2024.
وقد أسهم القانون الجديد في إعادة رسم ملامح التعامل مع حالات التعثر عبر توفير منظومة متكاملة تتيح للشركات الوصول إلى حلول توافقية خارج المحكمة لتشجيع التسويات الودية المبكرة، وإجراء عمليات إعادة هيكلة تحت إشراف محاكم متخصصة مع ضمان استمرار النشاط التجاري، إضافة إلى إمكانية الحصول على تمويل جديد خلال فترات التعثر لدعم الشركات القابلة للاستمرار وإنقاذها من التصفية.
كما عزّزت الإمارات منظومتها بإنشاء محاكم ودوائر متخصصة بقضايا الإفلاس، ما حسّن من سرعة الفصل في القضايا ودقة المعالجة القانونية.
وتؤكد الدراسات الحديثة من مكاتب قانونية دولية أن هذه الإصلاحات أوجدت بيئة أكثر مرونة واستجابة، ورسّخت توجّه الدولة نحو نموذج يُعلي من قيمة إعادة التنظيم بدل التصفية كخيار أول.
على الجانب السعودي، لا يقتصر التطوير على تحديث النصوص التشريعية، بل يمتد إلى التنفيذ العملي بوتيرة متسارعة خلال عام 2025. فقد كثّفت لجنة الإفلاس «إيسار» برامجها الهادفة إلى تفعيل نظام الإفلاس، عبر تنظيم ورش عمل تأهيلية للممارسين، ودورات تدريبية متخصصة في إجراءات إعادة التنظيم المالي، إضافة إلى إطلاق فعاليات تستهدف رواد الأعمال لتعزيز الوعي بالمسارات القانونية الجديدة.
وبرز ضمن أجندة 2025 مؤتمر «إيسار» في الرياض، الذي تناول بصورة معمّقة استمرارية الأعمال والحلول المالية التي تسبق التصفية وتتفادى آثارها.
تتوافق الخطوات التي اتخذتها الإمارات والسعودية مع ما تؤكده الدراسات الدولية، وبخاصة تقارير مجموعة «البنك الدولي»، التي تشير إلى أن أنظمة الإفلاس الحديثة تسهم في إنقاذ الشركات القابلة للاستمرار، وأن إعادة هيكلة الديون ترفع من كفاءة تخصيص الموارد داخل الاقتصاد.
وتبيّن هذه التقارير كذلك أن وجود إطار قانوني واضح وقابل للتنبؤ يعزّز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، وأن الاقتصادات التي تعتمد مسارات إعادة الهيكلة تحقق معدلات أعلى لإعادة تدوير رأس المال داخل الدورة الاقتصادية بدل خروجه عبر التصفية النهائية.
وبذلك، تُعامل المنظومات الحديثة للإفلاس كأداة لإعادة التنظيم الاقتصادي وتنشيط حركة الاستثمار، لا كخاتمة للنشاط التجاري أو نقطة النهاية لمسار الشركة.
رغم اشتراك البلدين في الهدف الاستراتيجي المتمثل في حماية الشركات وتعزيز استمرارية الأعمال، فإن لكل منهما أدوات خاصة تعكس تميّز منظومته التشريعية.
ففي السعودية، يقدّم نظام الإفلاس آلية متقدمة لإعادة التنظيم المالي تسمح للمحكمة بفرض خطة إعادة الهيكلة على شرائح معيّنة من الدائنين، وفق مفهوم قريب من آلية «الإقرار القسري» (Cram-Down) العالمية. وتقوم هذه الآلية على تمرير خطة الإنقاذ حتى إذا اعترضت عليها بعض الفئات، بشرط أن تكون عادلة وتحقق مصلحة اقتصادية أكبر للجميع. وبذلك تمنح النظام مرونة أكبر للمدين في تجاوز مرحلة التعثر، مع الحفاظ على حقوق الدائنين وحماية القيمة الاقتصادية للمنشأة في الوقت ذاته.
أما في الإمارات، تنفرد المنظومة بدمج التسوية الوقائية ضمن إطار قانوني متكامل يتيح للشركة التوصل إلى اتفاق مع الدائنين قبل الدخول في مسارات أكثر تعقيداً. كما توفر إجراءات إعادة الهيكلة القضائية قدراً عالياً من الحماية للمدين، بما في ذلك إمكانية طلب تمويل جديد خلال فترة التعثر.
هذه الاختلافات في الأدوات القانونية تُثري المشهد الإقليمي وتقدّم نموذجين ناجحين ومتقاربين في الفلسفة، يهدفان إلى تعزيز الاستدامة الاقتصادية وتحقيق المرونة في التعامل مع التعثر.
ومع تعاظم دور المحاكم المتخصصة، والتطبيق العملي المتسارع، والممارسات المستندة إلى أفضل المعايير الدولية، تتهيأ المنطقة لمرحلة جديدة يتقدّم فيها منطق الإنقاذ وإعادة الهيكلة على حساب التصفية، بما ينعكس إيجاباً على الاستثمارات، وتنافسية السوق، ونمو القطاع الخاص.