logo
اقتصاد

السعودية تدخل مرحلة «الانتقاء الاستثماري» في مشاريعها العملاقة

السعودية تدخل مرحلة «الانتقاء الاستثماري» في مشاريعها العملاقة
ملعب الأمير محمد بن سلمان المخطط له في مدينة القدية، في جبال طويق بالعاصمة الرياضالمصدر: Populous
تاريخ النشر:

بعد أشهر من الإشارات المتكررة إلى تبنّي نهج أكثر واقعية في إدارة الإنفاق، بدأت السعودية اتخاذ خطوات عملية لإعادة تقييم نطاق عدد من مشاريعها الكبرى، في إطار مراجعة أوسع للأولويات الاستثمارية في ظل بيئة اقتصادية عالمية أكثر تشدداً.

وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، شرعت المملكة خلال الفترة الأخيرة في إجراء مراجعات شاملة لعدد من أكثر مشاريعها طموحاً، الممتدة بين نيوم وجدة والرياض، مع تركيز متزايد على مواءمة حجم التنفيذ مع الجداول الزمنية والقدرات التمويلية المتاحة خلال السنوات القليلة المقبلة.

وجاءت هذه الخطوات بالتزامن مع تحديات فرضتها أسعار نفط أقل دعماً مقارنة بفترات سابقة، إلى جانب تشدد شروط التمويل عالمياً وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وهي عوامل دفعت صناع القرار إلى إعادة النظر في افتراضات سابقة بُنيت عليها بعض المشاريع العملاقة.

أخبار ذات صلة

منطقة توايلايت جاردنز في منتزه القدية، السعودية.

(Six Flags) القدية… الترفيه كرافعة للنمو الاقتصادي في السعودية

من نيوم إلى الرياض وجدة

بدأت هذه المراجعات بالانعكاس على ترتيبات استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، التي كانت تمثل أحد أبرز رموز الطموح الرياضي للمملكة، لكنها واجهت تحديات لوجستية ومالية مرتبطة بكلفة إنشاء بنى تحتية متخصصة، مثل منحدرات التزلج، في بيئة صحراوية.

وفي الوقت نفسه، تدرس الجهات المعنية تعديلات محتملة على مشاريع أخرى بارزة، من بينها مشروع «ذا لاين» في نيوم، الذي صُمم ليضم ناطحتي سحاب متقابلتين تمتدان على طول 170 كيلومتراً، إضافة إلى مشروع «المكعب» ضمن تطوير «المربع الجديد» في قلب العاصمة الرياض.

ووفقاً لمصادر مطلعة تحدثت إلى «بلومبرغ»، يتركز أحدث التقييمات على مشروع «المربع الجديد»، الذي كان مخططاً له أن يشكل وسطاً حضرياً جديداً في الرياض. وتشمل الخطط المطروحة إعادة النظر في بعض المكونات، من بينها ملعب كان مخصصاً لاستضافة مباريات ضمن كأس العالم 2034، حيث طُلب من الجهة المطورة، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، تقديم تصورات أكثر واقعية لما يمكن إنجازه خلال الأعوام المقبلة.

إعادة تصميم «ذا لاين»

وفي نيوم، يخضع مشروع «ذا لاين» بدوره لمراجعة تصميمية شاملة، بحسب المصادر، وسط توجه لإعادة تحديد حجمه ونطاقه التنفيذي. وكان المشروع قد صُمم ليشمل ملعباً لكأس العالم على ارتفاع يتجاوز 350 متراً، غير أن هذا المكون بات قيد المراجعة في إطار إعادة تقييم الجدوى والكلفة.

وتشير التقديرات إلى أن الصيغة النهائية للمشروع قد تكون أصغر من المخطط الأصلي، مع تركيز أكبر على التنفيذ المرحلي، بما يتماشى مع أولويات الاستثمار الحالية.

أما في منطقة جدة، فقد طالت المراجعات عدداً من المشاريع التطويرية، من بينها مشروع «ساحل القدية»، في حين تشير المصادر إلى أن خطط إنشاء ملعب لكأس العالم في المنطقة قد لا تمضي قدماً بصيغتها الأولية. في المقابل، تواصل «مدينة القدية» في الرياض تنفيذ خططها لبناء استاد الأمير محمد بن سلمان.

تصميم مشروع المربع الجديد.

أولوية للمشاريع ذات المواعيد الدولية الثابتة

وتعكس هذه التحركات، بحسب التقرير، إعادة توجيه للموارد من قبل الحكومة السعودية وصندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدّر أصوله بنحو تريليون دولار، مع إعطاء أولوية واضحة للمشاريع المرتبطة بمواعيد دولية غير قابلة للتأجيل، مثل معرض «إكسبو 2030» في الرياض، وكأس العالم 2034.

وفي هذا السياق، بدأ صنّاع القرار بمراجعة افتراضات سابقة، من بينها الحاجة إلى بناء ما لا يقل عن ثمانية ملاعب جديدة من الصفر، مقابل خيار إعادة تأهيل منشآت قائمة، وهو نهج سبق أن اعتمدته دول مضيفة لبطولات عالمية، من بينها قطر وروسيا، للحد من الكلفة وضمان الالتزام بالجداول الزمنية.

من التوسع السريع إلى كفاءة الإنفاق

ويأتي التحول في وقت تسعى فيه السعودية إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على زخم برنامج التحول الاقتصادي من جهة وبين إدارة الضغوط المالية المرتبطة بتراجع إيرادات النفط من جهة أخرى.

وكان وزير المالية السعودي محمد الجدعان لخّص هذا التوجه خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في «دافوس» بقوله إن الهدف يتمثل في تحقيق «الأثر الأمثل بالكلفة المناسبة»، في إشارة إلى مرحلة أكثر صرامة في تقييم العائد الاقتصادي للمشاريع مقارنة بسنوات التوسع السريع.

ويرى محللون أن هذه المقاربة تعكس درجة أعلى من الانتقائية في إدارة الاستثمارات العامة. من جهته، قال عزيز زنغانا، رئيس التحليل الاقتصادي لدول الخليج في «أوكسفورد إيكونوميكس»: «إن بعض المشاريع التي يجري تأجيلها أو تقليص نطاقها «كانت شديدة الطموح»، مضيفاً أن السلطات «تبدو أكثر تركيزاً على اختيار المشاريع ذات الجدوى الأعلى».

أخبار ذات صلة

عروض فعالية «ديزني على الجليد» الترفيهية في الرياض، السعودية، 24 أغسطس 2022.

«يونيفرسال ستوديوز» الأميركية تخطط لإنشاء متنزه ترفيهي في السعودية

جذب القطاع الخاص وتخفيف العبء المالي

في المقابل، كثفت السعودية جهودها لتعزيز دور القطاع الخاص في تمويل المشاريع الكبرى، سواء عبر الشراكات مع المستثمرين المحليين، أو من خلال جذب رؤوس الأموال الأجنبية، في إطار مسعى لتخفيف العبء عن الإنفاق الحكومي.

وساعدت هذه الخطوات، إلى جانب تسريع وتيرة الإصلاحات في أسواق العقار ورأس المال، على دعم ثقة المستثمرين، حيث سجل المؤشر الرئيسي للسوق المالية السعودية ارتفاعاً بنحو 9% منذ بداية العام، بعد أداء ضعيف خلال 2025.

ويرجّح محللون أن تحظى المشاريع القادرة على جذب التمويل الخاص، لا سيما في قطاعات مثل السياحة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات المالية، بالأولوية خلال المرحلة المقبلة، في حين قد تشهد المشاريع الأقل ارتباطاً بعوائد اقتصادية مباشرة وتدفقات رأسمالية خارجية وتيرة تنفيذ أبطأ.

وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في تقييم سابق إلى أن إعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية الكبرى تساعد على تركيز الإنفاق في المجالات الأكثر أثراً، وتحد من مخاطر الضغوط الاقتصادية.

في المحصلة، لا تعكس هذه المراجعات تراجعاً عن الطموحات التنموية للسعودية، بقدر ما تشير إلى انتقال من مرحلة الإطلاق الواسع للمشاريع إلى مرحلة أكثر تركيزاً على التنفيذ المرحلي وكفاءة استخدام الموارد، في إطار رؤية طويلة الأمد تستهدف تحقيق نمو مستدام وجاذب للاستثمار.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف