
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار حالة عدم اليقين التي تفرض ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد العالمي، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2026/2027، رغم رفع تقديراته لمعدل النمو خلال العام المالي السابق، بعد أداء اقتصادي جاء أقوى من المتوقع.
يطرح هذا التباين تساؤلات حول الأسباب التي دفعت الصندوق إلى تعديل توقعاته، ومدى تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية على مسار الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة، والآليات المطلوبة للحفاظ على معدلات نمو مستدامة.
في ذلك، أكد الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للبحوث والدراسات الاقتصادية، محمد طه الجوهري، أن خفض التوقعات لا يعكس وجود أزمة في الاقتصاد المصري، وإنما يستند إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار التوترات الإقليمية وما تفرضه من ضغوط على حركة التجارة والاستثمار والسياحة، إلى جانب ارتفاع تكلفة التمويل عالمياً، وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، واستمرار حالة عدم اليقين التي تدفع المؤسسات الدولية إلى تبني تقديرات أكثر تحفظاً.
وأشار الجوهري في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إلى أن حالة عدم اليقين الاقتصادي تؤثر بصورة مباشرة في قرارات المستثمرين، إذ يميل المستثمر إلى البحث عن الاستقرار ووضوح الرؤية، وعند ارتفاع المخاطر الجيوسياسية أو تغير التوقعات الاقتصادية بشكل متكرر، تتجه العديد من الشركات إلى تأجيل قرارات التوسع أو ضخ استثمارات جديدة، وهو ما ينعكس على معدلات الاستثمار المحلي والأجنبي خلال المدى القصير.
أضاف أن آثار التوترات الإقليمية لا تقتصر على الجانب السياسي، وإنما تمتد إلى الاقتصاد من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وتأثر حركة التجارة العالمية، إلى جانب احتمالات تراجع إيرادات بعض القطاعات الحيوية مثل السياحة أو قناة السويس إذا استمرت الاضطرابات في المنطقة.
ولفت إلى أن ارتفاع تكاليف التمويل يمثل أحد أبرز التحديات خلال المرحلة الحالية، إذ يزيد من تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومة والقطاع الخاص، وقد يؤدي إلى تأجيل بعض المشروعات الاستثمارية أو إعادة تقييمها، فضلاً عن زيادة أعباء خدمة الدين والتأثير على خطط التوسع والإنتاج، خاصة في القطاعات كثيفة الاستثمار.
وفي المقابل، أوضح الجوهري أن رفع صندوق النقد الدولي لتقديراته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي السابق يعكس تحسن الأداء الاقتصادي بصورة فاقت توقعاته السابقة، مؤكداً أن ذلك يعكس نجاح الدولة في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي واستعادة قدر من الاستقرار المالي والنقدي، إلى جانب تحسن مؤشرات النشاط الاقتصادي تدريجياً.
وأشار إلى أن أبرز المؤشرات الإيجابية تتمثل في ارتفاع معدل النمو الحقيقي، وتحسن أداء القطاع الخاص غير النفطي، وزيادة الاستثمارات في عدد من القطاعات الإنتاجية، وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، وارتفاع الصادرات، واستمرار تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، فضلاً عن تحسن مؤشرات الثقة في الاقتصاد المصري ونجاح الدولة في جذب استثمارات مباشرة وإتمام عدد من صفقات الاستثمار المهمة.
وأكد أن التعامل مع التحديات التي أشار إليها صندوق النقد الدولي يتطلب استمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتبسيط إجراءات الاستثمار، وتسريع برامج الطروحات الحكومية، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي والتصنيع، والتوسع في دعم الصادرات، وتحسين بيئة الأعمال، مع الحفاظ على الانضباط المالي واستقرار السياسات الاقتصادية بما يعزز ثقة المستثمرين.
أضاف أن تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي يتطلب توفير بيئة تشريعية مستقرة، وسرعة إنهاء الإجراءات الإدارية، وتقديم حوافز استثمارية واضحة، وتوسيع الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، والاستمرار في تطوير البنية التحتية والتحول الرقمي، بما يرفع من تنافسية الاقتصاد المصري ويجذب المزيد من الاستثمارات النوعية طويلة الأجل.
كما أكد أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصاً حقيقية لتحقيق معدلات نمو أعلى من التقديرات الحالية إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية بنفس الوتيرة، ونجحت الدولة في احتواء تداعيات التوترات الإقليمية واستعادة الاستقرار الكامل في المنطقة، مشيراً إلى أن مصر تمتلك سوقاً كبيرة، وموقعاً استراتيجياً، وبنية تحتية حديثة، وقاعدة صناعية وزراعية تتطور باستمرار، بما يؤهلها لتحقيق معدلات نمو مستدامة خلال السنوات المقبلة مع زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
من جهة أخرى، يرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، أن خفض صندوق النقد الدولي لتوقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2026/2027 جاء نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها توقعات بظهور تداعيات التوترات الإقليمية بصورة أكبر خلال الفترة المقبلة، إلى جانب ضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف التمويل، واستمرار حالة عدم اليقين التي تضغط على المؤشرات الكلية.
وأوضح الشافعي في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن حالة عدم اليقين الاقتصادي تؤثر بشكل مباشر على قرارات المستثمرين المحليين والأجانب، إذ تدفعهم إلى تبني سياسات تحوطية متحفظة وتأجيل خططهم التوسعية أو ضخ رؤوس أموال جديدة، نظراً لصعوبة التنبؤ بالعوائد المستقبلية واستقرار الأسواق، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتراجع الأنشطة الاستثمارية المحلية.
وأضاف أن التوترات الإقليمية تنعكس على أداء الاقتصاد المصري من خلال الضغط على مصادر النقد الأجنبي الحيوية، مثل عائدات قناة السويس والسياحة، فضلاً عن زيادة المخاطر المحيطة بسلاسل الإمداد والتوريد، الأمر الذي يرفع من كلفة الشحن والتأمين ويفرض ضغوطاً تضخمية إضافية على الأسواق المحلية.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف التمويل يؤثر سلباً على القطاعين العام والخاص، حيث يؤدي في القطاع العام إلى زيادة أعباء خدمة الدين العام وعجز الموازنة، بما يقلص المساحة المالية المتاحة للإنفاق التنموي والاجتماعي، بينما يتسبب في القطاع الخاص في رفع تكلفة الاقتراض التشغيلي والاستثماري، وهو ما يحد من قدرة الشركات على التوسع ويقلل من تنافسيتها.
كما أوضح الشافعي أن رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي السابق استند إلى تحقيق أداء اقتصادي جاء أقوى من المتوقع، مدفوعاً بمرونة بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية وتدفقات مالية استثنائية أسهمت في تعزيز الاستقرار المؤقت للمؤشرات الكلية.
ولفت إلى أن المؤشرات الاقتصادية التي عكست هذا الأداء القوي تمثلت في تحسن وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في بعض الفترات، وزيادة حصيلة بعض الموارد السيادية، وتراجع بعض الاختلالات الخارجية بفضل حزم الدعم والاتفاقيات الاستثمارية الكبرى التي تم توقيعها، وهو ما منح الاقتصاد مرونة فاقت التقديرات الأولية الحذرة.
وأكد أن التعامل مع التحديات التي أشار إليها صندوق النقد الدولي يتطلب تبني حزمة من السياسات تشمل استمرار ضبط الأوضاع المالية العامة، وترشيد الإنفاق غير الضروري، وتعميق الإصلاحات الهيكلية التي تمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في قيادة النمو، إلى جانب تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لتخفيف أثر هذه الضغوط على الفئات الأكثر احتياجاً.
وأضاف أن تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي في ظل الظروف الراهنة يتطلب تقديم حوافز ضريبية وجمركية مستهدفة، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وضمان استقرار السياسات التشريعية والنقدية، بالإضافة إلى تفعيل وثيقة ملكية الدولة بشكل جاد وشفاف لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الأصول والقطاعات الحيوية.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصاً للتعافي التدريجي خلال السنوات المقبلة، شريطة استقرار الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية واستمرار وتيرة الإصلاح الهيكلي، مشيراً إلى إمكانية تجاوز التقديرات الحالية وتحقيق معدلات نمو أعلى من خلال التركيز على القطاعات الإنتاجية المرنة، مثل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، مع جذب استثمارات نوعية طويلة الأجل تعزز الصادرات وتقلل الاعتماد على الواردات.