logo
طاقة

بين طفرة نفطية وأزمة معيشية.. إلى أين يتجه الاقتصاد الليبي؟

بين طفرة نفطية وأزمة معيشية.. إلى أين يتجه الاقتصاد الليبي؟
حقل نافورة النفطي في شرق ليبيا- يونيو 2024المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

تُظهر البيانات التشغيلية لقطاع الطاقة في ليبيا مؤشرات إيجابية قوية؛ حيث يسجل إنتاج النفط الخام أعلى مستوياته منذ عقد من الزمن ببلوغه نحو 1.4 مليون برميل يومياً، تزامناً مع خطط حكومية تستهدف رفع القدرة الإنتاجية إلى 1.6 مليون برميل يومياً بحلول نهاية عام 2026.

ومع تداول «خام برنت» في الأسواق العالمية قرب مستوى 100 دولار للبرميل, يُفترض نظرياً أن تُسهم هذه الطفرة في تعزيز الملاءة المالية للدولة وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي. إلا أن مؤشرات الاقتصاد الكلي المحلية ترسم مشهداً مغايراً؛ إذ تتسع الضغوط التضخمية وتتراجع القوة الشرائية للأسر بشكل حاد، وسط تحذيرات متزايدة من مؤسسات التمويل الدولية بشأن هشاشة الوضع المالي المستدام.

وبحسب تحليل «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council)، فإن المعضلة الاقتصادية في ليبيا لا تكمن في شح الموارد أو ضعف الإيرادات، بل في نمط الإدارة المالية القائم على التخصيص غير الكفء للموارد، وعدم فاعلية آليات إدارة الإنفاق العام، فضلاً عن تعدد مراكز القرار المالي، وهي عوامل تحول دون توظيف العوائد النفطية الاستثنائية في تحقيق تنمية مستدامة على مستوى الاقتصاد الكلي.

أخبار ذات صلة

منطقة الجبل الأخضر في ليبيا، 1 ديسمبر 2023.

وزير الزراعة لـ«إرم بزنس»: ليبيا تستغل نصف أراضيها الزراعية فقط

أزمة سعر صرف الدينار وتأثيرها على التوازنات المالية

خلال فترة لم تتجاوز العام، اضطر «المصرف المركزي الليبي» (CBL) إلى إجراء خفضين متتاليين لقيمة العملة الوطنية «الدينار»، في محاولة للحد من اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي؛ حيث استهل المصرف هذه الإجراءات في أبريل 2025 بخفض قيمة الدينار بنسبة 13.3%، ثم أتبع ذلك بخفض إضافي بنسبة 14.7% في يناير 2026، ليتراجع السعر الرسمي للعملة المحلية ويستقر عند مستوى 6.37 دينار للدولار الواحد.

وعلى الرغم من الإجراءات الانكماشية، فإن الأثر التصحيحي في سوق الصرف كان مؤقتاً؛ إذ عاود الدينار تراجعه في السوق الموازي ليلامس مستوى 10 دنانير للدولار بحلول أواخر فبراير 2026. ويعكس استمرار هذا الهامش السعري الكبير عمق الاختلالات الهيكلية في ميزان المدفوعات والمالية العامة، كما يثبت محدودية أدوات السياسة النقدية المنفردة في علاج أزمات ناجمة بالأساس عن التوسع في الإنفاق الحكومي الموازي والانقسام المؤسسي.

رجل يستخدم عداد العملة لحساب الدينار الليبي في مكتب صرافة في وسط طرابلس، 30 مارس 2014.

تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة في ليبيا

انعكس تدهور سعر الصرف مباشرة على معدلات التضخم المستورد، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكلي على استيراد السلع الأساسية والمستلزمات الإنتاجية.

وقد ترتب على ذلك تآكل القوة الشرائية للرواتب الحكومية، التي تمثل القناة الرئيسية لإعادة توزيع عوائد النفط على الأسر، بالتوازي مع ارتفاع حاد في تكلفة المعيشة؛ إذ أظهرت بيانات «برنامج الأغذية العالمي» (WFP) قفزة في سلة الحد الأدنى للإنفاق الشهري للأسر الليبية بنسبة 27.7% على أساس سنوي، لتصل إلى 1128 ديناراً في فبراير 2026.

تزامنت هذه الضغوط مع اضطرابات حادة في الأسواق شملت نقصاً في السلع التموينية، وشحاً في الوقود، وأزمة سيولة نقدية حادة في «أجهزة الصراف الآلي» (ATMs). وبحسب استطلاع رأي عام أُجري في يناير الماضي، جاءت التحديات الاقتصادية والقدرة على تلبية الاحتياجات المعيشية اليومية في طليعة اهتمامات المواطنين، متجاوزة المخاوف المرتبطة بالاستقرار النظري للأوضاع العامة لأول مرة منذ سنوات.

تقارير دولية تحذر من عدم استدامة المسار المالي الليبي

أطلق «صندوق النقد الدولي» (IMF) في أبريل الماضي تحذيراً شديد اللهجة أكد فيه أن المسار المالي الحالي لليبيا «غير قابل للاستمرار»، موضحاً أن تدفق الإيرادات النفطية الإضافية قد يتحول إلى عامل لتعميق الاختلالات الكلية إذا تم توجيهه لتوسيع الإنفاق الاستهلاكي الجاري بدلاً من معالجة التشوهات الهيكلية، خاصة وأن تعديل الإنفاق سيكون معقداً للغاية بمجرد عودة أسعار النفط إلى مستوياتها الطبيعية.

وتقاطعت تقييمات الصندوق مع تقارير حديثة لـ«البنك الدولي» (World Bank) و«البنك الإفريقي للتنمية» (AfDB)، والتي أجمعت على أن «الإنفاق الموازي العشوائي» والعجز المالي الناتج عن ممارسات الانقسام المؤسسي والمالي يمثلان الجذر الأساسي للأزمة الاقتصادية الحالية.

أخبار ذات صلة

عملة ليبية من فئة 20 ديناراً في مدينة غدامس الليبية.

تقلبات الدولار في ليبيا.. هل ينجح المركزي بتطويق السوق الموازي؟

مشروع الموازنة الموحدة وخيارات إصلاح الإنفاق العام

في 11 أبريل الماضي، وضمن تحول جوهري هو الأول من نوعه منذ 13 عاماً، تم التوصل إلى اتفاق مالي في البلاد لتطوير أول موازنة موحدة وبرنامج تنموي مشترك. وحظي هذا الاتفاق بدعم دولي صريح من الولايات المتحدة والدول الشريكة، والتي ربطت نجاح الموازنة بتحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان التمويل المستدام للمؤسسة الوطنية للنفط، وتوزيع الاستثمارات التنموية بعدالة وشفافية بين كافة الأقاليم والمناطق.

وأكد محافظ «المصرف المركزي»، ناجي عيسى، أن هذا الاتفاق سيدعم متانة العملة الوطنية ويعزز الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، رحبت بعثة الأمم المتحدة بالخطوة، لكنها رهنت فاعليتها بمدى الالتزام بالمحددات التنفيذية للموازنة، وتأسيس آليات رقابة مستقلة تضمن الشفافية والمساءلة المؤسسية.

وفقاً للتحليل، يقف الاقتصاد الليبي اليوم أمام مسارين مستقبليين؛ يتمثل الأول في الاكتفاء بالالتزام بالسقف الإجمالي للإنفاق الوارد في الموازنة مع إغفال آليات الشفافية والرقابة المستقلة، وهو خيار قد يضمن تحقيق استقرار نقدي مؤقت في الأجل القصير من خلال كبح جماح التضخم وتأمين استمرارية الإنتاج النفطي، إلا أنه سيعيد إنتاج ذات الاختلالات البنيوية السابقة الناجمة عن التسويات المالية المؤقتة وغير المستدامة.

أما المسار الثاني، فيرتكز على تحويل الموازنة الموحدة إلى أداة مالية لإعادة هيكلة الإدارة الاقتصادية للدولة، وترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة، فضلاً عن ربط الإنفاق العام بالأولويات التنموية والاستثمارية، وهو المسار الكفيل بمعالجة الأزمات الهيكلية وإيجاد بيئة مواتية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف