الشركة رفعت هدف نمو إنتاج الغاز إلى 80% في عام 2030 فوق مستويات 2021
الطلب على الغاز يتزايد نتيجة استخدامات إضافية مثل مراكز بيانات الـAI

في ظل الضغوط التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، تبدو شركة «أرامكو السعودية»، أكبر شركة نفط في العالم من حيث القيمة والإنتاج، أمام مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تهدف من خلالها إلى ترسيخ مكانتها في مشهد تحول الطاقة العالمي، ومواكبة التحولات الجذرية التي تعيد رسم ملامح الصناعة خلال العقد المقبل.
فمع تراجع أسعار النفط الخام وتزايد التحديات المرتبطة بفائض المعروض، بدأت «أرامكو» تتجه بخطى واثقة نحو قطاع الغاز الطبيعي، بوصفه الركيزة الجديدة لنمو الشركة واستدامتها المستقبلية.
يأتي هذا التحول في إطار رؤية أوسع للمملكة العربية «السعودية»، التي تسعى إلى تنويع اقتصادها ومصادر دخلها ضمن مستهدفات «رؤية 2030»، وتعزيز دورها كلاعب محوري في أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط عبر تصدير النفط الخام، بل من خلال بناء منظومة طاقة متكاملة تشمل الغاز، والبتروكيماويات، والتقنيات الحديثة، والطاقة النظيفة.
على الرغم من الانخفاض الطفيف في أرباحها الفصلية، حققت «أرامكو» نتائج تفوق التوقعات، إذ سجّلت 101 مليار ريال سعودي، أي نحو 27 مليار دولار، في الربع الثالث، بتراجع نسبته 2.3% فقط على أساس سنوي، ما يعكس متانة أدائها في مواجهة تراجع الأسعار العالمية.
وأوضح الرئيس التنفيذي، أمين الناصر، أن الشركة تعتمد على عدة عوامل لدعم قدرتها على الصمود، تشمل زيادة إنتاج الغاز، ونمو الطلب المحلي، والاستفادة من التقنيات الحديثة. وأضاف قائلاً: «نحن في موقع قوي يتيح لنا الاستفادة من الفرص المستقبلية وتعظيم قيمة المساهمين».
يرى مسؤولو «أرامكو» أن الغاز لم يعد مجرد خيار مؤقت ضمن التحول الطاقي العالمي، بل أصبح جزءاً دائماً من منظومة الطاقة الحديثة.
وقال النائب التنفيذي للرئيس للاستراتيجية والتطوير المؤسسي في «أرامكو»، أشرف الغزاوي في تصريحات سابقة: «لم يعد يُنظر إلى الغاز الطبيعي كوقود انتقالي فحسب، بل أصبح الآن جزءاً أساسياً ودائماً في مشهد الطاقة العالمي. إنه عامل رئيسي لدعم نمو الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات».
وأضاف الغزاوي أن الغاز «يرسخ مكانته كعامل حاسم في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة الناتج عن التطورات في تقنيات الذكاء الاصطناعي».
في مقابلة حديثة مع شبكة «سي إن بي سي»، كشف الناصر أن «أرامكو» تستثمر معظم رأس مالها في تطوير قطاع الغاز، موضحاً أن الشركة تدرس أيضاً الاستثمار في الليثيوم وتتطلع إلى إنشاء أول مصنع للمعالجة بحلول عام 2027، في خطوة تهدف إلى توسيع نشاطها في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة والتقنيات الجديدة.
رفعت «أرامكو» هدفها للنمو في إنتاج الغاز بحلول عام 2030 إلى نحو 80% فوق مستويات عام 2021، بعد أن كان المستهدف السابق 60% فقط. وتوقعت الشركة أن تؤدي هذه الزيادة إلى رفع إجمالي إنتاج الغاز والسوائل المصاحبة إلى نحو ستة ملايين برميل من المكافئ النفطي يومياً.
وأوضحت الشركة أن مشروع «الجافورة» يمثل محوراً رئيسياً في طموحات السعودية لتصبح لاعباً عالمياً رئيسياً في قطاع الغاز الطبيعي. ويُعدّ «الجافورة» أكبر مشروع للغاز غير التقليدي في المملكة، وأحد أضخم المشاريع من نوعها على مستوى العالم.
وأشار محللو «جيه بي مورغان» (JPMorgan) في مذكرة بحثية إلى أن «التوجيهات المحسّنة لأرامكو تمثل زيادة ملموسة تتجاوز 500 ألف برميل من المكافئ النفطي يومياً مقارنة بالتقديرات السابقة»، ما يعكس تسارعاً واضحاً في طموحات الشركة الإنتاجية.
تقدّر «أرامكو» أن التوسع في مشاريع الغاز سيضيف ما بين 12 و15 مليار دولار من التدفقات النقدية التشغيلية السنوية بحلول نهاية العقد، ما يجعل الغاز رافعة مالية رئيسية إلى جانب النفط.
ويرى محللون أن هذا التحول يمثل توجهاً منطقياً في ضوء طبيعة سوق الغاز المحلية. فبحسب المدير الإداري لمجلة «ميدل إيست إيكونوميك سيرفاي» (Middle East Economic Survey)، جيمي إنغرام: «رغم أن الغاز أقل ربحية من النفط، فإنه يمثل مصدر دخل مضموناً ومستقراً، لأن أسعاره ثابتة والسوق المحلية في توسّع مستمر».
ويتّسق هذا التوجّه مع السياسة السعودية التي تهدف منذ سنوات إلى تعزيز استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء والصناعة، بما يسمح بتحرير مزيد من النفط الخام للتصدير ودعم العوائد الخارجية للمملكة.
يأتي هذا التحول في وقتٍ تواجه فيه الشركة تحديات متزايدة جراء انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 65 دولاراً للبرميل، في أعقاب قرار «أوبك+» رفع حصص الإنتاج لشهر ديسمبر. وعلى الرغم من أن المنظمة تعتزم تجميد الزيادة في يناير المقبل، فإن مخاوف فائض الإمدادات ما زالت تضغط على السوق.
وتقول كبيرة الاقتصاديين في «بنك أبو ظبي التجاري»، مونيكا مالك: «المرحلة الحالية قد تكون صعبة، لكن على المدى المتوسط والبعيد، قد تسهم التطورات في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة التشغيلية وتقليص التكاليف».
تعد «أرامكو» التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في خطتها لتعزيز الكفاءة والربحية. فالشركة تعتمد على أكثر من 10 مليارات نقطة بيانات يومياً وسجلّ تاريخي يمتد لأكثر من 90 عاماً لتحليل الأداء وتحسين العمليات.
وأكد الناصر أن هذه الجهود بدأت بالفعل تُثمر عن نتائج ملموسة، إذ حققت الشركة 6 مليارات دولار من القيمة المضافة بين عامي 2023 و2024. كما أشار إلى أن التوسع السريع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في السعودية سيرفع الطلب المحلي على الطاقة، ما يعزز مكانة «أرامكو» في السوق المحلية.
تركّز «أرامكو» بشكل متزايد على تطوير أنشطتها في «القطاع التحويلي» (Downstream)، خاصة البتروكيماويات، التي أصبحت تمثل 54% من إنتاج النفط الخام للشركة.
وتوضح مالك أن هذا التوجه «يعكس سعي «أرامكو» إلى خلق قيمة مضافة من خلال تحويل الخام إلى منتجات أكثر ربحية واستدامة».
ورغم التراجع في الأسعار، أكّد المدير المالي لشركة «أرامكو»، زياد المرشد، التزام الشركة بمواصلة الإنفاق الاستثماري لدعم هذه القطاعات، قائلاً: «نحافظ على سياسة توزيع أرباح جذابة ومستقرة، وفي الوقت ذاته نعيد استثمار جزء كبير من أرباحنا لتعزيز مكانتنا وبناء قاعدة أقوى للنمو المستقبلي».
لدعم خططها الاستثمارية، لجأت «أرامكو» إلى أسواق الدين الدولية، حيث أصدرت سندات بقيمة 8 مليارات دولار خلال عام 2025. ورغم ارتفاع نسبة المديونية إلى 6.3%، فإنها تبقى عند مستويات مريحة وتُظهر قدرة الشركة على الاستدانة بشروط جيدة.
كما تواصل «أرامكو» نهجها في عقد شراكات استراتيجية مع مستثمرين دوليين، على غرار اتفاقية البيع وإعادة التأجير بقيمة 11 مليار دولار التي أبرمتها مع كونسورتيوم تقوده بلاك روك في أغسطس الماضي.
ويشير إنغرام إلى أن هذا النوع من الصفقات «يعكس استراتيجية واضحة تهدف إلى تسييل الأصول ذات العوائد المنخفضة وإعادة توجيه التمويل نحو مشاريع أكثر ربحية».