logo
طاقة

من آسيا إلى إفريقيا.. نقص النفط يُجبر دولاً على ترشيد الطاقة

من آسيا إلى إفريقيا.. نقص النفط يُجبر دولاً على ترشيد الطاقة
مطعم يعمل على ضوء الشموع نتيجة انقطاع الكهرباء في دكا، بنغلادش، فبراير 2026.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

بدأت صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط تأخذ منحى أكثر عمقاً، متجاوزة حدود تقلبات الأسعار إلى مرحلة تقييد فعلي للاستهلاك، في ظل تراجع الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن والتأمين.

في هذا السياق، ذكرت «فايننشال تايمز» أن تدفقات النفط العالمية انخفضت بنحو 15 مليون برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على اختلال ملموس في توازن السوق، مع استمرار المخاطر المرتبطة بمسارات الإمداد الحيوية، خصوصاً عبر «مضيق هرمز».

أخبار ذات صلة

مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل، بلجيكا، 15 ديسمبر 2025

الاتحاد الأوروبي يدرس إعادة تفعيل إجراءات أزمة الطاقة لعام 2022

15 مليون برميل يومياً.. حجم الانخفاض في تدفقات النفط العالمية

يُجسّد هذا التحول انتقال السوق من منطق «التسعير» إلى منطق «إدارة الندرة»، حيث لم تعد الأسعار وحدها كفيلة بإعادة التوازن، بل باتت الحكومات مضطرة للتدخل عبر أدوات مباشرة لتقليص الاستهلاك. ويشير ذلك إلى أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل تحمل سمات صدمة ممتدة قد تعيد تشكيل أنماط الطلب عالمياً.

وفي الاقتصادات النامية والمتوسطة، يظهر هذا التحول بشكل أوضح، إذ تفتقر هذه الدول إلى المرونة المالية التي تسمح بامتصاص ارتفاع الأسعار، ما يدفعها إلى تبني إجراءات تقنين لتخفيف الضغط على الإمدادات.

من مانيلا إلى زامبيا.. الأزمة تضرب الاقتصاد الحقيقي

انعكست هذه التحولات سريعاً على الاقتصاد الحقيقي، ففي مانيلا، بدأت المطاعم المحلية في المناطق التجارية تفقد زخمها المعتاد، مع تراجع حركة موظفي المكاتب وتقلص الإنفاق الاستهلاكي. ويُترجم هذا التراجع تغيراً في سلوك الطلب، حيث باتت تكاليف النقل والطاقة تؤثر مباشرة على قرارات الإنفاق اليومية.

ويقول سيدريك غونزالو، الذي يعمل في أحد المطاعم منذ ثماني سنوات، إن عدد الزبائن انخفض بنسبة تتراوح بين 30% و40%، في إشارة إلى انتقال أثر الأزمة من الأسواق العالمية إلى تفاصيل النشاط الاقتصادي المحلي.

وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة الفلبينية حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في خطوة تُبرز اتساع الضغوط على الإمدادات وتزايد الحاجة إلى إدارة الطلب.

قاعدة كيكوما الوطنية لتخزين النفط في مدينة إيماباري غربي البلاد، بمحافظة إهيمه، اليابان، 26 مارس 2026.
قاعدة كيكوما الوطنية لتخزين النفط في مدينة إيماباري غرب البلاد، بمحافظة إهيمه، اليابان، 26 مارس 2026. المصدر: (أ ف ب)

آسيا في الخط الأمامي لأزمة الطاقة

تُعد آسيا الأكثر تعرضاً لتداعيات الأزمة، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. وتشير بيانات «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» (EIA) إلى أن أكثر من 80% من النفط والغاز المسال الذي يمر عبر «مضيق هرمز» يتجه إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر ذا تأثير مباشر على المنطقة.

كما أن طبيعة هذه الاقتصادات، القائمة على التصنيع والتصدير، تجعلها أكثر كثافة في استهلاك الطاقة، ما يضاعف من حساسية النمو لأي صدمة في الإمدادات. وقد بدأت آثار ذلك تظهر في تراجع واردات عدد من الاقتصادات الكبرى في المنطقة، في مؤشر على بداية انكماش الطلب تحت ضغط الأسعار والإجراءات الحكومية.

دول تُقنّن الطاقة.. إجراءات غير مسبوقة من تايلاند إلى باكستان

في مواجهة هذه الضغوط، لجأت الحكومات إلى حزمة من الإجراءات لإدارة الاستهلاك، تعكس تحولاً واضحاً نحو تقنين منظم للطاقة.

ففي تايلاند، جرى تشجيع العمل عن بُعد لموظفي القطاع العام إلى جانب خفض استخدام أجهزة التكييف، فيما دفعت فيتنام نحو بدائل أقل استهلاكاً للطاقة عبر الترويج لاستخدام الدراجات وتقاسم السيارات.

أما إندونيسيا، فقد اعتمدت يوم عمل عن بُعد أسبوعياً للموظفين الحكوميين، في حين لجأت باكستان إلى تقليص استهلاك الوقود عبر إقامة مباريات رياضية دون جمهور، في مؤشر على اتساع نطاق الإجراءات ليشمل أنماط النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

وفي إفريقيا، أعلنت زامبيا حالة طوارئ في إمدادات الوقود، مع تعليق الضرائب على البنزين والديزل، رغم توقع ارتفاع أسعار بعض المشتقات بأكثر من 50%. كما فرضت بنغلادش قيوداً مباشرة على استهلاك الكهرباء، شملت تقليص الإضاءة واستخدام أجهزة التكييف، حتى في المؤسسات الحكومية.

أخبار ذات صلة

سيارات تصطف في طابور عند محطة وقود لشراء البنزين، في العاصمة البنغالية دكا، يوم 5 مارس 2026.

عقب انقطاع الإمدادات القطرية.. بنغلاديش تواجه ارتفاع أسعار الغاز

الدول الأكثر هشاشة أمام صدمة الإمدادات

تتباين قدرة الدول على التعامل مع الأزمة وفقاً لمستوى دخلها واعتمادها على الواردات. ففي حين تستطيع اقتصادات مرتفعة الدخل تأمين احتياجاتها من السوق العالمية رغم ارتفاع الأسعار، تواجه الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض ضغوطاً مضاعفة نتيجة محدودية الموارد المالية وارتفاع كلفة التمويل.

وتبرز هذه الفجوة بشكل خاص في الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود دون امتلاك احتياطيات كافية أو بدائل محلية، ما يجعلها أكثر عرضة لاضطرابات السوق.

في هذا السياق، تتجه الأسواق نحو ما يُعرف بـ«تدمير الطلب»، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات إلى تقليص الاستهلاك بشكل قسري. ويعني ذلك أن جزءاً من التوازن في السوق يتم عبر انكماش النشاط الاقتصادي، وليس فقط عبر زيادة العرض.

وتشير تقديرات إلى أن فقدان نسبة ملموسة من الإمدادات النفطية العالمية يدفع نحو هذا السيناريو، حيث يصبح تقليص الطلب ضرورة وليس خياراً.

حكومات بين دعم الوقود والانهيار المالي

في خضم هذه التطورات، تجد الحكومات نفسها أمام خيارات محدودة. فدعم أسعار الوقود يخفف الضغط على المستهلكين، لكنه يفرض أعباء مالية كبيرة قد تهدد الاستقرار المالي. في المقابل، فإن ترك الأسعار تعكس واقع السوق يساهم في كبح الاستهلاك، لكنه يضغط على النمو والدخل الحقيقي للأفراد.

وقد دفعت هذه المعادلة بعض الدول إلى اللجوء إلى أدوات استثنائية، مثل استخدام احتياطيات النقد الأجنبي أو بيع أصول مالية لتأمين واردات الطاقة، في خطوة تؤكد حجم الضغوط التمويلية.

ولا تقتصر آثار الأزمة على المدى القصير، إذ تشير أبحاث «صندوق النقد الدولي» (IMF) إلى أن صدمات أسعار النفط تترك آثاراً مستمرة على سوق العمل، خصوصاً في الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وتُظهر البيانات أن هذه الصدمات قد تؤدي إلى انخفاض مستدام في معدلات التوظيف، ما يُبرز تحولاً هيكلياً في الاقتصاد يتجاوز فترة الأزمة نفسها.

أخبار ذات صلة

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتحدث قبل توقيع أوامر تنفيذية داخل البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، يوم 30 يناير 2026.

الولايات المتحدة تمدد اتفاقية إعفاء إفريقيا من الرسوم الجمركية

نحو إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك

على المدى الأبعد، قد تدفع الأزمة الحالية إلى تغييرات أعمق في أنماط الاستهلاك والاستثمار، مع احتمال تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

كما يُتوقع أن تتأثر قطاعات مثل النقل والسياحة، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل، ما قد يعيد رسم خريطة الطلب العالمي على الخدمات.

ورغم أن تداعيات الأزمة تمتد إلى مختلف الاقتصادات، فإن تأثيرها يبقى غير متكافئ. فالدول المتقدمة تمتلك القدرة المالية على امتصاص الصدمة، في حين تواجه الاقتصادات النامية خيارات أكثر صعوبة.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تباطؤ في النمو العالمي، مع تأثير أكبر على آسيا، التي تبقى الأكثر ارتباطاً بممرات الطاقة المتأثرة بالأزمة.

في المحصلة، تكشف موجة تقنين الطاقة عن تحول نوعي في طبيعة الصدمة، حيث لم تعد الأسواق تواجه مجرد ارتفاع في الأسعار، بل نقصاً فعلياً في الإمدادات يفرض إعادة ضبط للاستهلاك، ويضع الاقتصادات الأكثر هشاشة أمام اختبار مزدوج بين الحفاظ على الاستقرار المالي وتجنب الانكماش.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف