
رغم التحديات الاقتصادية العالمية، يواصل الاقتصاد الجزائري تحقيق أداء لافت مدفوعاً بارتفاع صادرات الطاقة وتنامي الاحتياطي النقدي الذي بلغ مستويات مطمئنة.
وفقاً لخبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، فإن الجزائر مرشحة للحفاظ على مستويات متقدمة اقتصادياً محلياً وتعزيز مكانتها كإحدى أبرز القوى الاقتصادية الصاعدة في إفريقيا، في ضوء توقعات باستمرار زيادة صادرات الطاقة والاحتياطي النقدي معززاً بعملة صعبة متزايدة، لا سيما مع الطلب الكبير من أوروبا على الغاز وأسعار البترول المتوسطة الداعمة لميزانية البلاد.
وتمد الجزائر، التي تُعد أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي في إفريقيا وسابع أكبر مُصدّر للغاز في العالم، أوروبا بنحو 11% من احتياجاتها، فيما تسعى للحصول على إمدادات كافية من الوقود، استعداداً لموسم الشتاء الذي يبدأ بعد بضعة أسابيع، بحسب تقديرات لـ«بلومبرغ».
وفقاً لتقرير «منتدى الدول المصدّرة للغاز» الصادر في مارس 2025، فإن «الغاز سيبقى ضرورياً في العقود المقبلة. ومع حلول سنة 2050، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي بنسبة 34%، حيث سترتفع حصته في المزيج الطاقوي العالمي من 23% حالياً إلى 26%».
فيما سجل احتياطي النقد الأجنبي في الجزائر أكثر من 68 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية أكثر من 15 شهراً من الواردات، وفقاً لتقرير «بنك الجزائر» للتطور الاقتصادي والنقدي لعام 2024 الصادر في منتصف الشهر الماضي.
ويرى المحاضر في العلوم الاقتصادية بجامعة ابن خلدون والخبير المالي، عبد الرحمن عية، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن اقتصاد الجزائر يحافظ على تفوقه مدعماً بصادرات الطاقة ترتفع واحتياطي نقدي في مستويات جيدة.
وقال عية: «بالنسبة لصادرات الطاقة في الجزائر، من المسلم به أن الجزائر متقدمة فيها، لا سيما بالغاز والبترول، وهناك جهد وإرادة سياسية وآليات لدعم أنواع جديدة من الطاقات، لا سيما المتعلقة بالهيدروجين الأخضر، وهذا سيعزز من العملة الصعبة والاحتياطي النقدي أيضاً».
وأوضح أن أسعار البترول التي تصل في المتوسط إلى حدود 68 دولاراً للبرميل، مناسبة للجزائر وترفع مداخيلها من العملة الصعبة والمساهمة في رفع القدرات الاستثمارية في مجال الاستخراج والإنتاج وإعداد البنية التحتية للتصدير.
وبرأي الخبير الاقتصادي الجزائري، فإن الغاز الذي عليه طلب كبير في أوروبا في ضوء مساع أوروبية لخفض الإمدادات الروسية يعزز من تصدير الجزائر لتلك الدول بصورة لافتة منذ الحرب الأوكرانية، وبالتالي عائدات أكبر بالعملة الصبعة، ما يزيد من دعم النقدي الأجنبي ونراه في مستوى جيد.
ويتوقع عية أن تبقى الاحتياطات الأجنبية في مستويات جيدة الفترة المقبلة مع إمكانية تحقيق نمو حال زادات مصادر العملة الصعبة لاسيما من صادرات الطاقة التي تتميز بها الجزائر.
وبحسب تقريرات موقع (africanexponent)، المتخصص في التحليلات والتصنيفات الاقتصادية القارية في أغسطس الماضي سجّلت الجزائر أعلى نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بين الدول العشر الكبرى بإفريقيا.
وفقًا للتقرير، حققت الجزائر نموًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تفوق 4.5%، وهي النسبة الأعلى بين أكبر عشر اقتصادات في إفريقيا، مدفوعة بارتفاع صادرات الطاقة واستقرار المؤشرات المالية، وعلى رأسها احتياطات الصرف، إلى جانب إبقاء معدلات التضخم تحت السيطرة.
ورغم اعتماد الجزائر الكبير على قطاع المحروقات، الذي يمثل 95% من عائدات التصدير و60% من إيرادات الدولة، فقد أشار التقرير إلى التزام الحكومة الجزائرية بخطط طموحة لتقليص هذا الاعتماد، عبر تنويع الاقتصاد الوطني وتسهيل مناخ الاستثمار.
وتشمل الخطط إنشاء المناطق الصناعية الكبرى ومشاريع الطاقة المتجددة والاستثمارات في التكنولوج، التي تعد جزءاً من الخطة الوطنية للجزائر للحد من الاعتماد على النفط والغاز مع توسيع الجزائر نطاق تجارتها مع أوروبا والصين مع تعميق علاقاتها داخل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA).
ووفقاً للتقرير فإن الجزائر تضع نفسها في مكانة لا تقتصر على كونها دولة غنية بالموارد بل مركزاً صناعياً وطاقياً محتملاً لشمال إفريقيا وما وراءها.
وفي ضوء ذلك، يرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة ورقلة في الجزائر، سليمان ناصر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن اقتصاد الجزائر لا تزال أرقامه تحافظ على ترتيب متقدم بإفريقيا، وهذا في ضوء تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية.
ويعتقد ناصر أن زيادة صادرات الطاقة لا تزال تؤدي دوراً مهماً في دعم اقتصاد الجزائر، لا سيما منذ الحرب الروسية الأوكرانية والطلب على الغاز المرتفع خاصة مع حلول الشتاء، لافتاً إلى أنه في ظل شح الغاز الروسي لأوروبا أسهمت الجزائر بنحو 12% من موارد الغاز الأوروبي وحلت في المرتبة الثانية بعد قطر.
ونبه الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر إلى أنه في ضوء زياردة الصادرات تزيد العملة الصعبة، وبالتالي تحسن مؤشرات عديدة منها أرقام الاحتياطي، مؤكداً أنه لا يمكن التهويل أو التهوين بخصوص مستويات الاحتياطي التي سجلت 69 مليار دولار في 2023 و68 مليار دولار في 2024، وسط ترقب النتائج الجديدة التي قد تحمل أرقاماً أخرى تراجعاً أو نمواً.
ويتوقع ناصر استمرار حفاظ الاقتصاد الجزائري على تفوقه مدعوماً بأسعار صادرات الطاقة في ضوء المعطيات الحالية وتحسن المؤشرات عموماً.
وأعلن الديوان الوطني للإحصائيات في 5 سبتمبر الماضي عن تسجيل نمو ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي للجزائر خلال سنة 2024، حيث بلغت نسبة الارتفاع 7.2% مقارنة بالسنة الماضية.
وفي 23 سبتمبر الماضي، كشف التقرير السنوي لـ«بنك الجزائر» عن حصيلة صادرات البلاد من المحروقات للعام 2024، حيث بلغ إجمالي الإيرادات 45.23 مليار دولار أميركي.
وشكلت صادرات الغاز الطبيعي العمود الفقري للإيرادات، حيث تصدرت قائمة المنتجات بقيمة بلغت 13.04 مليار دولار في عام 2024، مسجلةً حصة نسبتها 28.8% من إجمالي عائدات المحروقات، وجاءت صادرات النفط الخام في المرتبة الثانية من حيث المساهمة في الإيرادات بنسبة 26.3%، محققةً عائدات قدرها 11.89 مليار دولار.
بالمقابل، حققت المنتجات البترولية المكررة عائدات بلغت 9.17 مليار دولار في 2024، مسجّلة نمواً إيجابياً مقارنة بعام 2023 (8.5 مليار دولار)، بسبب زيادة حجم الصادرات.
وفي هيكل مصادر الطاقة، كان هناك تنوع، حيث بلغت حصة الغاز الطبيعي 28.8% في 2024، مقابل 32.5% في 2023، وبلغت المنتجات البترولية المكررة أو المواد المشتقة 20.3% في 2024، مقابل 16.8% في 2023، بينما قدرت حصة غاز البترول المسال بـ7.3% في 2024، مقابل 6.6% في 2023.
كما تشهد أوروبا والجزائر شراكة لافتة في مجال الطاقة، وفي 8 يوليو الماضي وقّعت شركة «سوناطراك» ومجموعة النفط الإيطالية «إيني»، في الجزائر العاصمة، عقداً يمتد لنحو 30 عاماً بقيمة 1.35 مليار دولار، منها 110 ملايين دولار للبحث والاستكشاف، لتقاسم إنتاج المحروقات في موقع بجنوب شرقي الجزائر.
الاتفاق القابل للتمديد لعشر سنوات إضافية يشمل فترة استكشاف وبحث مدتها سبع سنوات، لاستخراج 415 مليون برميل مكافئ نفطي، منها 9.3 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي خلال كامل الفترة التعاقدية، بحسب ما أعلنت «سوناطراك» في بيان آنذاك.
وفي أكتوبر 2024، أعلنت مجموعة الطاقة التشيكية «سي إي زد» في بيان أن براغ بدأت استيراد الغاز من الجزائر لتغطية 2% من استهلاك الغاز في الجمهورية التشيكية، وهو ما يعادل احتياجات 100 ألف أسرة.
وفي يوليو 2023، وقّع عملاقا النفط والغاز «سوناطراك» و«توتال إنرجيز» الفرنسية، بالجزائر، عقداً يتعلق بتمديد الالتزامات التعاقدية بين الشركتين لبيع وشراء الغاز الطبيعي المسال، بحسب بيان للشركة الجزائرية.
وفي مارس 2023، أكد مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي سابقاً جوزيب بوريل، في أعقاب اجتماع مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أن نحو 90% من صادرات الغاز الجزائرية وجهتها نحو أوروبا.
وأكد بوريل أن التكتل الذي يضم 27 دولة يسعى لتوطيد الشراكة مع الجزائر كشريك موثوق بالنظر إلى المستقبل، من خلال إعطاء الأولوية للاستثمارات الأوروبية في قطاع الطاقة المتجددة.
وفي أكتوبر 2022، وقّعت «سوناطراك» عقدين بنحو 600 مليون يورو مع شركتين إيطاليتين من أجل بناء مصنع للغاز المسال ونقله عبر الأنابيب، بحسب بيان للمجموعة الجزائرية.