ارتفاع أسعار الخام واضطراب «هرمز» يعززان هوامش الربحية
الشركات تفضل المرونة المالية على التوسع في مشاريع جديدة

رفعت الحرب الأميركية الإيرانية أرباح أكبر شركات النفط العالمية بعشرات المليارات من الدولارات خلال الربع الثاني، لكن التدفقات النقدية الاستثنائية لم تتحول إلى دورة جديدة من الإنفاق الرأسمالي أو إلى زيادات موازية في عوائد المساهمين، في انعكاس لتحفظ الشركات إزاء استدامة علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دفعت أسعار الخام إلى الارتفاع.
وحققت 11 من أكبر شركات الطاقة العالمية، من بينها «شل» و«شيفرون» و«توتال إنرجيز» و«إكوينور»، أرباحاً مجمعة بلغت 121 مليار دولار بين أبريل ويونيو، بزيادة قدرها 56 مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأظهر تحليل أجراه موقع «AGBI» ارتفاع الأرباح بنسبة 85% مقارنة بـ65 مليار دولار في الربع الثاني من 2025، مستفيدة من اتساع هوامش الربحية مع صعود أسعار النفط واضطراب تدفقات الإمدادات عبر «مضيق هرمز».
وبحسب بيانات «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» (EIA)، بلغ متوسط سعر خام برنت 103.28 دولار للبرميل خلال الربع الثاني، بزيادة 52% على أساس سنوي، بعدما أدت الهجمات على ناقلات النفط إلى شبه توقف حركة الشحن عبر «مضيق هرمز»، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لإمدادات الطاقة العالمية.
على الرغم من القفزة في الأرباح، حافظت شركات النفط الكبرى على سياسات منضبطة في توزيع رأس المال، إذ لم تشهد توزيعات الأرباح، بما فيها المدفوعات الاستثنائية، أو برامج إعادة شراء الأسهم زيادات تتناسب مع نمو الأرباح المحققة خلال الربع.
ورفعت «إكسون موبيل»، التي تجاوزت أرباحها ضعف مستويات الربع الثاني من العام الماضي، توزيعاتها الفصلية إلى 1.03 دولار للسهم، مقارنة بـ0.99 دولار في 2025.
كما زادت «أرامكو السعودية» توزيعاتها بنسبة 3.5% فقط إلى 22 مليار دولار، بينما أعلنت «إيني» الإيطالية و«ريبسول» الإسبانية توسيع برامج إعادة شراء الأسهم. إلا أن متوسط الزيادة في العوائد النقدية للمساهمين على مستوى القطاع ظل محدوداً مقارنة بنمو الأرباح.
وتشير هذه السياسة إلى أن شركات الطاقة لا تتعامل مع ارتفاع الأرباح باعتباره تحولاً هيكلياً في دورة النفط يبرر إعادة النظر في سياسات التوزيع أو زيادة الالتزامات الرأسمالية طويلة الأجل، بل بوصفه مكسباً استثنائياً مرتبطاً بصدمة جيوسياسية قد تنحسر مع استقرار الإمدادات.
وقال حمزة دويك، رئيس التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى «ساكسو بنك»، إن النتيجة الأبرز لموسم الأرباح تتمثل في إعطاء شركات النفط الكبرى أولوية للتموضع الاستراتيجي طويل الأجل على حساب زيادة العوائد قصيرة الأجل للمساهمين.
أوضح أنه رغم الارتفاع الحاد في الأرباح المجمعة لأكبر شركات الطاقة العالمية على أساس سنوي، فإن معظم الشركات لم تقابله بزيادات مماثلة في توزيعات الأرباح أو عمليات إعادة شراء الأسهم.
وقال تياغو لاسيردا من شركة الوساطة الإلكترونية «أكسي»، إن مجالس الإدارات التي اختبرت دورتي الهبوط في 2015 و2020 تتعامل مع الطفرة الحالية باعتبارها «حدثاً نقدياً»، وليس مؤشراً إلى دورة نمو جديدة، بما يعكس تحفظها إزاء المدة التي يمكن أن تبقى خلالها الأسعار عند مستويات مرتفعة.
أضاف أن قرارات تخصيص رأس المال، أكثر من تصريحات الإدارات، تظهر أن الشركات تنظر إلى صعود الأسعار باعتباره مدفوعاً بالصراع، وبالتالي مؤقتاً.
تعرض «مضيق هرمز»، الذي تمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، لاضطرابات حادة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، ما أضاف علاوة مخاطر كبيرة إلى أسعار الخام وأعاد تسعير احتمالات تعطل الإمدادات في السوق العالمية.
وبلغ متوسط سعر خام برنت 117.29 دولار للبرميل في أبريل، قبل أن يتراجع إلى 107.14 دولار في مايو ثم إلى 85.40 دولار في يونيو، مع تحسن توقعات التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران.
ووقّع الطرفان اتفاقاً أولياً في 18 يونيو، لكنه انهار لاحقاً، لتبقى الأسعار شديدة الارتباط بمسار الصراع واحتمالات استعادة التدفقات الطبيعية عبر «هرمز».
ورغم حجم الاضطراب، لم تقترب الأسعار من مستوى 200 دولار للبرميل الذي توقعه بعض الخبراء في بداية الأزمة، جزئياً بسبب خفض الصين وارداتها النفطية والسحب من المخزونات، ما وفر للسوق هامشاً إضافياً لامتصاص صدمة الإمدادات.
ولا تزال التقلبات مرتفعة مع إعادة الأسواق تسعير المخاطر تبعاً لتطورات الحرب. وعاد خام برنت إلى مستوى 90 دولاراً للبرميل يوم الثلاثاء، بعدما تراجعت توقعات التوصل إلى اتفاق وشيك لإعادة فتح «مضيق هرمز»، عقب مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران بتعويضات عن الحرب.
بدلاً من توجيه كامل المكاسب إلى الاستثمار أو المساهمين، استخدمت بعض الشركات التدفقات النقدية الإضافية لخفض المديونية وتعزيز قدرتها المالية على مواجهة أي انعكاس محتمل في دورة أسعار النفط.
وخفضت «شيفرون» ديونها بنحو 8.4 مليار دولار خلال الربع الثاني، في مؤشر إلى أولوية تقوية الميزانية العمومية والحفاظ على مرونة تخصيص رأس المال.
وقال لاسيردا إن تحسن الميزانيات العمومية لا يمثل بالضرورة مقدمة لزيادة الاستثمار، إذ تؤدي السيولة والمراكز المالية الأقوى في الدورة الحالية وظيفة تحوطية ضد الهبوط المقبل.
يمتد نهج الانضباط في تخصيص رأس المال إلى قرارات الشركات الدولية في الخليج، إذ تتعامل الشركات مع المكاسب الاستثنائية للربع الثاني باعتبارها مرتبطة بظروف السوق الحالية، من دون أن يغير ذلك مسار استثماراتها القائمة أو الفرص التي توفرها خطط التوسع في قطاع الطاقة بالمنطقة.
وقال فيجاي فاليشا، رئيس الاستثمار لدى «سينشري فاينانشال»، إن الزيادة الكبيرة في أرباح الربع الثاني لم تدفع الشركات إلى رفع التزاماتها الاستثمارية بصورة فورية، نظراً إلى ارتباط جزء كبير من هذه المكاسب بارتفاع الأسعار الناتج عن الحرب.
أضاف أن معظم السيولة الإضافية تتجه إلى خفض الديون والحفاظ على استقرار توزيعات المساهمين.
وبحسب فاليشا، يُرجح أن تفضل شركات النفط الدولية الاستمرار كشركاء في المشاريع القائمة بالفعل، بدلاً من التعجيل بإطلاق مشاريع رأسمالية ضخمة جديدة استناداً إلى مستويات الأسعار الحالية.
في الوقت نفسه، تواصل دول الخليج تنفيذ خطط توسعية في قطاع الطاقة تشمل زيادة الطاقة الإنتاجية وتطوير سلاسل القيمة. وأشار فاليشا إلى خطط الإمارات لزيادة إنتاج النفط والغاز والتوسع في قدرات الغاز الطبيعي المسال والتكرير، بما يوفر فرصاً مستمرة أمام شركات الطاقة الدولية.
ويتزامن ذلك مع إنفاق دول الخليج على إصلاح منشآت وبنية تحتية للطاقة تضررت من الهجمات الإيرانية.