
تقترب السعودية من إضافة طاقة إنتاجية جديدة من اليوريا تعادل نحو 60% من صادراتها الحالية، في توسع قد يرفع وزنها في تجارة الأسمدة النيتروجينية، ويعزز موقعها بين كبار موردي اليوريا في الأسواق العالمية.
ووفقاً لبيانات التجارة الدولية المنشورة عبر منصة «WITS» التابعة للبنك الدولي، صدّرت المملكة نحو 4.33 مليون طن من اليوريا في 2025، بقيمة تقارب 1.89 مليار دولار. وفي المقابل، تبلغ الطاقة الجديدة المقرر دخولها بحلول 2030 نحو 2.6 مليون طن سنوياً، أي ما يعادل قرابة ثلاثة أخماس صادرات السعودية المسجلة في العام الماضي.
ولا يعني ذلك أن الكمية الجديدة ستتحول بالكامل إلى صادرات، إذ يتوقف الأمر على الطلب المحلي، ومعدلات تشغيل المصانع، وحركة الأسعار، والأسواق المتاحة عند بدء الإنتاج. لكن حجم الإضافة قياساً إلى قاعدة التصدير الحالية يفتح سؤالاً يتجاوز المشروع نفسه: إلى أي مدى يمكن أن تغير الطاقة الجديدة موقع السعودية على خريطة تجارة اليوريا العالمية؟
تدخل السعودية هذا التوسع من موقع متقدم بالفعل في تجارة اليوريا. فقد حافظت صادراتها على مستوى يتجاوز 4 ملايين طن للعام الثاني على التوالي، بعدما سجلت نحو 4.44 مليون طن في 2024، وفق بيانات «WITS»، قبل أن تستقر عند 4.33 مليون طن في 2025.
ولا تتوزع هذه الكميات بالتساوي بين الأسواق. ففي 2025، استقبلت تايلاند نحو مليون طن من اليوريا السعودية، مقابل نحو 830 ألف طن للهند، و637 ألف طن لأستراليا، ونحو 590 ألف طن لبنغلادش. وبذلك استحوذت الأسواق الأربع على أكثر من 70% من صادرات المملكة خلال العام.
ويمنح هذا التركز التجاري السعودية موقعاً مهماً في أسواق آسيا وأوقيانوسيا، حيث تتجه الحصة الأكبر من صادراتها. كما يضعها ضمن شبكة الطلب الزراعي في دول تعتمد على الواردات لتأمين جزء من احتياجاتها من الأسمدة النيتروجينية.
ووفقاً لـ«المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية»، استحوذت دول الخليج على 36% من صادرات اليوريا العالمية خلال الفترة من 2023 إلى 2025، مع وجود قطر وإيران والسعودية بين أبرز المصدرين في المنطقة.
يأتي الجزء الأكبر من الزيادة المرتقبة من مجمع جديد في مدينة الجبيل، بعدما اتخذت «سابك للمغذيات الزراعية» قرار الاستثمار النهائي في المشروع.
ووفقاً لبيانات «سابك للمغذيات الزراعية» وإعلان الشركة عبر السوق السعودية، تبلغ طاقة الشركة الحالية من اليوريا نحو 4.8 مليون طن سنوياً، على أن يرفع المشروع الجديد هذا الرقم إلى 7.4 مليون طن بحلول الربع الأخير من 2030، بزيادة قدرها 2.6 مليون طن أو نحو 54%. كما يشمل المشروع مصنعاً للأمونيا بطاقة 1.2 مليون طن سنوياً.
وتعادل الطاقة الجديدة وحدها نحو 60% من صادرات السعودية من اليوريا في 2025. وحتى إذا وُجه جزء من الإنتاج إلى السوق المحلية، فإن الزيادة تمنح المملكة هامشاً تصديرياً أكبر، خصوصاً أنها تضاف إلى قطاع يمتلك مسارات تجارية قائمة بالفعل.
ولا تأتي أهمية المشروع من حجمه المطلق فقط، بل من كونه لا يبدأ من نقطة صفر تجارية. فالسعودية تملك بالفعل أسواقاً تستقبل ملايين الأطنان سنوياً، ما يجعل الطاقة الجديدة قابلة للاندماج في شبكة تصدير قائمة، إذا سمحت ظروف الأسعار والطلب بذلك.
لكن السعودية لن تضيف هذه الطاقة في سوق خالٍ من المنافسة. فالخليج يمثل أحد أهم مراكز تجارة اليوريا عالمياً، وأي زيادة كبيرة في إنتاج أحد الموردين الرئيسيين ستدخل ضمن منافسة إقليمية ودولية قائمة.
ووفقاً لـ«المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية»، كانت دول الخليج أكبر منطقة مصدرة لليوريا والأمونيا خلال الفترة من 2023 إلى 2025، كما شكّلت 36% من صادرات اليوريا العالمية. وأشار المعهد إلى أن قطر وإيران والسعودية تأتي ضمن أبرز مصدري اليوريا في المنطقة.
وخارج الخليج، تضم قائمة كبار الموردين روسيا والصين ومصر ونيجيريا وعُمان، ما يجعل تجارة اليوريا موزعة بين مجموعة من مراكز الإنتاج الكبيرة، لا بين منتج واحد أو منطقة واحدة.
ووفقاً لـ«مرصد التعقيد الاقتصادي»، جاءت روسيا وعُمان وقطر بين أبرز مصدري اليوريا في 2024، فيما تُظهر بيانات التجارة الدولية حضور السعودية ومصر وعُمان والجزائر ونيجيريا ضمن كبار المصدرين بحسب بيانات «WITS» المتاحة لذلك العام.
ولا تعني زيادة الطاقة السعودية انتقال المملكة تلقائياً إلى مرتبة أعلى بين هؤلاء الموردين. فالترتيب العالمي يتأثر بالإنتاج الفعلي، والطلب المحلي، وسياسات التصدير، والأسعار، والطاقات الجديدة التي ستدخل السوق في دول أخرى قبل 2030.
تزداد أهمية هذا التوسع مع استعداد سوق اليوريا لاستقبال مشروعات جديدة خلال السنوات المقبلة. فالسوق لا تتحرك فقط بفعل الطلب الزراعي، بل أيضاً بفعل أسعار الغاز، وتكاليف الشحن، واضطرابات الممرات البحرية، والسياسات التجارية للدول المصدرة.
ووفقاً لـ«المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية»، فإن أي اضطراب طويل في صادرات الغاز الطبيعي أو الأسمدة من الخليج يمكن أن يؤثر في أسواق الأسمدة عالمياً، لأن الغاز الطبيعي يدخل كمادة أولية ومصدر طاقة رئيسي في إنتاج الأمونيا، التي تعد أساساً لصناعة الأسمدة النيتروجينية.
وتشير هذه المعادلة إلى أن توسع السعودية لا يأتي في سوق مستقرة بالكامل، بل في قطاع حساس للصدمات الجيوسياسية والطاقة والشحن. لذلك قد يمنحها المشروع الجديد قدرة أكبر على تلبية الطلب عندما تكون الإمدادات العالمية مضغوطة، لكنه يضعها أيضاً في منافسة أوسع مع المنتجين منخفضي التكلفة.
وبالنسبة للسعودية، ستكون زيادة الحصة التصديرية مرتبطة بقدرة الإنتاج الجديد على اقتناص جزء أكبر من نمو التجارة العالمية، وليس فقط باتساع السوق. فوجود طاقة إضافية لا يكفي وحده، إذا لم تقابله عقود وأسواق وأسعار تسمح بتحويل الإنتاج إلى صادرات مربحة.
لا تضمن الطاقة الجديدة انتقال السعودية تلقائياً إلى موقع أعلى بين كبار مصدري اليوريا، لكنها تمنحها حجماً إضافياً يصعب تجاهله. فالمملكة تدخل التوسع من قاعدة تصديرية تتجاوز 4 ملايين طن سنوياً، ومن منطقة توفر أكثر من ثلث صادرات اليوريا العالمية، وتضيف طاقة تعادل نحو 60% من صادراتها الحالية.
وبذلك يتجاوز أثر المشروع حدود زيادة الطاقة الإنتاجية لشركة واحدة. فكلما ارتفعت حصة الإنتاج الجديد الموجهة إلى الخارج، اتسعت قدرة السعودية على زيادة إمداداتها للأسواق العالمية، وتعزيز حضورها في تجارة الأسمدة النيتروجينية.
وعند اكتمال التوسع في 2030، لن يكون السؤال مقتصراً على الأسواق التي ستستوعب الإنتاج الجديد، بل على الموقع الذي ستحتله السعودية بين كبار مصدري اليوريا، بعد إضافة 2.6 مليون طن إلى قاعدة إنتاجية وتصديرية قائمة بالفعل.