
قبل عقود، كان الطريق غرباً من الإسكندرية على الساحل المتوسطي لمصر يمر عبر مساحات صحراوية شاسعة بمحاذاة مياه زرقاء صافية قبل الوصول إلى مرسى مطروح على بعد نحو 260 كيلومتراً، أما اليوم، فقد أصبح الساحل الشمالي وجهة صيفية رئيسية للأثرياء المصريين، تنتشر فيها المنتجعات والمجتمعات السكنية المغلقة ذات الأسعار المرتفعة.
وتقف المنطقة الآن على أعتاب تحول أكبر، تقوده شركات تطوير خليجية تستثمر مليارات الدولارات في مشروعات تستهدف استقطاب السياح والمشترين الأجانب، بحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز».
وتتصدر صناديق الثروة السيادية في أبوظبي وقطر، إلى جانب شركة «إعمار العقارية» الإماراتية، موجة الاستثمارات الجديدة، من خلال مشروعات تشمل فنادق ومراسي لليخوت ومراكز تسوق ومدارس ومنشآت صحية.
وتستثمر الحكومة المصرية بدورها في الطرق والمطارات ومدينة العلمين الجديدة، بهدف دعم تحول الساحل إلى منطقة قابلة للسكن والعمل طوال العام.
وقال عمر الشنيطي، المصرفي الاستثماري والشريك الإداري في «زيلا كابيتال»، إن دخول المطورين الخليجيين «يمكن أن يكون نقطة تحول»، مشيرًا إلى أن هذه الشركات تتمتع بأسماء معروفة وثقة لدى مواطني الخليج، ما قد يجعلهم من كبار المشترين في المنطقة.
وفي 2024، دفعت أبوظبي 35 مليار دولار مقابل حقوق تطوير منطقة رأس الحكمة، التي تمتد على 40,600 فدان، في أكبر استثمار أجنبي في تاريخ مصر.
ويشمل المشروع، الذي تطوره شركة «مدن القابضة» الإماراتية مرافق سياحية ومرسى لليخوت ومطاراً ومناطق استثمارية وحرة، إضافة إلى نحو 310 آلاف وحدة سكنية لسكان قد يصل عددهم إلى مليوني نسمة.
وفي 2025، أعلنت شركة «الديار القطرية»، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، مشروعاً بقيمة 30 مليار دولار لتطوير منطقة علم الروم إلى وجهة فاخرة تعمل على مدار العام.
كما تطور مجموعة طلعت مصطفى مشروع «ساوث ميد» بقيمة 21 مليار دولار بالشراكة مع الدولة، وتروج له باعتباره «وجهة عالمية جديدة» على البحر المتوسط.
ورغم بدء أعمال الإنشاء وبيع الوحدات في المشروعات الكبرى، يحذر محللون من مخاطر اقتصادية وجيوسياسية قد تؤثر في خطط التطوير.
وقال معتز صدقي، المدير العام لشركة «ترافكو هوليدايز» المصرية، إن الساحل الشمالي «وجهة في مرحلة انتقالية» ولم يتحول بعد إلى سوق سياحية دولية ناضجة.
وظلت المنطقة تاريخياً تعتمد بصورة شبه كاملة على السياحة المحلية، خلافاً لوجهات مثل شرم الشيخ والأقصر التي تستقطب أعدادًا كبيرة من السياح الأجانب.
وأكد صدقي أن الساحل بدأ يجذب سوقين جديدين، هما الزوار الخليجيون والسياح الدوليون، خصوصاً الأوروبيين.
ويأمل المستثمرون أن تساعد المشروعات الجديدة في معالجة مشكلة موسمية النشاط، ففي يونيو تنتعش المطاعم والمتاجر والخدمات، قبل أن تتراجع الأنشطة بشدة بحلول منتصف سبتمبر مع مغادرة المصطافين.
وتقدم «مراسي»، التي تطورها شركة « إعمار مصر للتنمية»، التابعة لمجموعة «إعمار العقارية» الإماراتية، نموذجاً لإمكانات الساحل الشمالي، حيث يضم المنتجع واجهة بحرية بطول 6.5 كيلومتر، ونحو 8 آلاف وحدة سكنية و12 فندقاً فاخراً، إلى جانب مرسى لليخوت ومطاعم ومتاجر راقية.
وقال محمد العبار، مؤسس ورئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة « إعمار»، إن غير المصريين شكلوا نحو 65% من نزلاء فنادق «مراسي» في أواخر أغسطس، وكان معظمهم من دول الخليج.
وأضاف أن هؤلاء الزوار «ينفقون مبالغ كبيرة ويبقون لفترات طويلة»، في حين لا تزال مشتريات الخليجيين من الوحدات السكنية محدودة، إذ تراوحت بين 10 و15%.
وتسعى« إعمار» إلى تمديد الموسم السياحي، مع تشغيل ثلاثة فنادق طوال العام والإبقاء على المتاجر في منطقة المرسى مفتوحة خلال أكتوبر.
وبلغت مبيعات العقارات في الساحل الشمالي أكثر من 10.4 مليار دولار خلال 2025، ما جعل المنطقة ثاني أكبر وجهة للاستثمار العقاري في مصر بعد شرق القاهرة، وفق أحمد زكي، العضو المنتدب لشركة «ذا بورد كونسلتنغ».
لكن تحويل الساحل إلى وجهة عالمية يتطلب، بحسب صدقي، زيادة الطاقة الفندقية، وتوفير رحلات جوية منتظمة على مدار العام، إلى جانب المطاعم ومراكز المؤتمرات والمنشآت الرياضية.
ويرى أن أشهر الشتاء يمكن أن تدعم سياحة المؤتمرات والرياضة والثقافة، بدلاً من الاعتماد على السياحة الشاطئية وحدها.
ويتمتع الساحل الشمالي أيضاً بقربه من أبرز المعالم المصرية؛ إذ يمكن للسائح الجمع بين الإقامة على البحر وزيارة الأهرامات وغيرها من المواقع السياحية.
و يراهن المطورون الخليجيون ومصر على تحويل الساحل الشمالي إلى وجهة متوسطية متكاملة تستقطب السياح والمستثمرين من الخليج وأوروبا، وتوفر مصدرًا جديدًا للإيرادات بعيداً عن موسم الصيف القصير.