وضاح الطه: القطاع العقاري سيكون المستفيد الأول من الحزمة

وجّه رئيس الوزراء العراقي بحزمة مبادرات مالية لتنشيط الاقتصاد، في خطوة تعيد طرح السؤال القديم الجديد في العراق: هل تكفي الأموال لتحريك السوق، أم أن المشكلة الأعمق تكمن في طريقة إدارة التمويل وتحويله إلى مشاريع وفرص عمل ونتائج ملموسة؟
ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام عراقية، تشمل الحزمة 3.5 تريليون دينار (2.7 مليار دولار)، وتتضمن توجيه مبادرات البنك المركزي القائمة نحو العقار والإسكان بقيمة تريليون دينار، وتعزيز سيولة المصرف العراقي للتجارة والمصرف الصناعي بما لا يقل عن تريليون دينار لتمويل القطاع الصناعي والمشاريع، إلى جانب تخصيص 500 مليار دينار لمستحقات المقاولين، و500 مليار دينار لمستحقات المزارعين، فضلاً عن إضافة 500 مليار دينار إلى صندوق الأجيال.
تبدو الأرقام كبيرة في سوق يحتاج إلى سيولة، لكنها تضع الحكومة والمصارف أمام اختبار أكثر تعقيداً من مجرد توفير التمويل.
فالعقار يحتاج إلى وحدات سكنية قابلة للبيع لا إلى ارتفاع جديد في أسعار الأراضي، والصناعة تحتاج إلى مشاريع منتجة لا إلى قروض محاطة بالضمانات فقط، فيما تمثل مستحقات المقاولين والمزارعين قناة سريعة لإعادة الأموال إلى الاقتصاد الحقيقي إذا أُديرت ضمن دورة واضحة.
يرى مختص إدارة الأزمات علي جبار، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن أحد أكبر معوقات الاقتصاد العراقي ليس نقص الأموال فقط، وإنما ضعف إدارة المشاريع والاستراتيجيات وتحويل التمويل إلى نتائج، معتبراً أن المطلوب هو الانتقال من «إدارة الأموال إلى إدارة النتائج».
ويقول جبار إن توجيه تريليون دينار نحو العقار والإسكان يمكن أن يحمل أثراً اقتصادياً واسعاً، لأن الإسكان يحرك المقاولات ومواد البناء والنقل والخدمات وفرص العمل. لكنه يحذر من أن النجاح لا يقاس بحجم القروض، بل بعدد الوحدات المنجزة وحجم النشاط الاقتصادي الذي خلقه التمويل.
الخطر، بحسب جبار، أن يتحول التمويل إلى مضاربة على الأراضي وارتفاع في الأسعار بدلاً من إنتاج مساكن حقيقية. لذلك يدعو إلى ربط التمويل بالإنجاز، ومتابعة المشروع من بداية القرض حتى التسليم.
ويتقاطع ذلك مع قراءة عضو المجلس الاستشاري في معهد "CISI" في الإمارات وضاح الطه، الذي قال لـ«إرم بزنس» إن المستفيد الأول من الحزمة سيكون القطاع العقاري، على أن تلحق به مئات الأنشطة المرتبطة بمواد البناء والخدمات والبنية التحتية. لكنه شدد على أن تنفيذ المشاريع العقارية يحتاج إلى حوكمة ورقابة عالية، خصوصاً في بيئة يصفها بأنها تعاني من الفساد.
ويرى الطه أن الفجوة السكنية في العراق كبيرة، لكن كثيراً من المشاريع القائمة لا تزال خارج قدرة أصحاب الدخل المتوسط، ما يجعل نجاح البرنامج مرتبطاً بإطلاق مشاريع إسكانية في متناول الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود، مع تمويل مصرفي مكمّل يسهّل الوصول إلى الوحدات السكنية.
في الشق الصناعي، لا يرى الخبراء أن تعزيز سيولة المصرف العراقي للتجارة والمصرف الصناعي يكفي وحده لإنتاج أثر اقتصادي دائم. فالمشكلة، وفق علي جبار، ليست دائماً في حجم التمويل، بل في وجهته وجودة المشاريع المستفيدة منه.
ويقول جبار إن الأولوية يجب أن تكون للمشاريع التي تمتلك سوقاً واضحاً وتدفقات نقدية وقدرة على الإنتاج والتشغيل، مع تحول المصرف من مجرد فحص الضمانات إلى تقييم المشروع ومتابعة أدائه ومخاطره.
ويضيف أن منع تحول التمويل إلى قروض قليلة الأثر يتطلب «المشروع الصحيح، والتمويل الصحيح، والإدارة الصحيحة»، بحيث يصرف التمويل على مراحل وفق نسب الإنجاز، ويرتبط استمرار الدعم بالإنتاج والتدفقات النقدية، مع ربط الحوافز الضريبية والكمركية بالأداء، واستهداف تشغيل 70% على الأقل من العمالة العراقية في المشاريع المستفيدة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في بلد اعتاد إطلاق مبادرات تمويلية لا تظهر نتائجها دائماً في شكل توسع إنتاجي واضح. لذلك تبدو الحزمة الجديدة اختباراً لقدرة القطاع المصرفي على الانتقال من منطق منح القرض إلى منطق متابعة دورة حياة المشروع.
وبحسب جبار، فإن القطاع المصرفي العراقي يتطور، إذ بلغت القروض والسلف نحو 64.1 تريليون دينار بنهاية 2024، وبلغت نسبة الائتمان إلى الودائع نحو 59.3%. لكنه يعتبر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعطاء القرض، بل في إدارته بعد منحه، من خلال تقييم السوق، ومراقبة التدفقات النقدية، واكتشاف التعثر مبكراً.
تمثل مستحقات المقاولين والمزارعين الجزء الأسرع أثراً في الحزمة، لأنها تضخ أموالاً مباشرة في أنشطة قائمة. فالمقاول الذي يحصل على مستحقاته يدفع للعمال والمجهزين وشركات النقل وموردي مواد البناء، فيما تعيد مستحقات المزارعين جزءاً من السيولة إلى الريف وسلاسل الغذاء المحلية.
ويقول علي جبار إن تسديد المستحقات من أسرع الوسائل لإعادة السيولة إلى الاقتصاد الحقيقي، لكنه يحذر من أن الحل لا يتوقف عند دفع المتأخرات، بل يتطلب إصلاح إدارة العقود والمشاريع والمدفوعات حتى لا تتكرر المشكلة نفسها.
ويؤكد وضاح الطه أهمية تسديد مستحقات المقاولين، باعتبار أن المقاول لا يستطيع إتمام عمله من دون دفعات منتظمة، ما يجعل هذه الخطوة أساسية لاستكمال المشاريع المكلف بها.
لكنه يربط نجاح الحزمة بتوقيت توفير الأموال، في ظل ما يصفه بوضع مالي ضاغط على الموازنة وتراجع في الصادرات النفطية العراقية خلال الأشهر الماضية نتيجة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب الطه، فإن ضخ السيولة إذا تم بسرعة كبيرة قد يخلق ضغطاً على السلع والخدمات ويولد موجة تضخمية مرتبطة بزيادة الطلب، لكنه يستبعد حدوث ذلك على المدى القصير بسبب طبيعة التنفيذ وتدرج ضخ الأموال.
وتشير قراءة الخبراء إلى أن الحزمة قد تكون بداية مهمة، لكنها ليست بديلاً عن إصلاح طريقة إدارة التمويل العام. فالعراق، كما يقول جبار، لا يعاني فقط من نقص التمويل، بل من فجوة بين التمويل والنتائج. لديه أموال واستراتيجيات ومشاريع، لكن الحلقة الأضعف غالباً هي التنفيذ والمتابعة والمساءلة.
لذلك، لا يقف معيار نجاح الحزمة عند سؤال: كم ديناراً ضُخ في السوق؟ بل عند أسئلة أكثر صعوبة: كم وحدة سكنية أُنجزت؟ كم مشروعاً صناعياً بدأ الإنتاج؟ كم عاملاً عراقياً وجد فرصة عمل؟ وما هي القيمة المضافة التي عاد بها هذا التمويل على الاقتصاد؟