
تحول لافت في مسار التضخم بتركيا، مع تراجعه إلى ما دون 30% للمرة الأولى منذ 5 سنوات، في تطور يعكس بدء ظهور أثر التشدد النقدي في كبح وتيرة ارتفاع الأسعار، لكنه في الوقت نفسه يضع البنك المركزي أمام اختبار جديد يتمثل في الحفاظ على هذا المسار دون التسرع في خفض أسعار الفائدة.
ويرى خبراء، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تراجع التضخم يعزز الآمال بمواصلة مسار الهبوط خلال الفترة المقبلة، إلا أن الضغوط السعرية لا تزال مرتفعة في بعض القطاعات، خصوصاً السكن والنقل والخدمات، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية بالنسبة للسياسة النقدية.
وكان البنك المركزي التركي قد أبقى، الشهر الماضي، سعر الفائدة الرئيسي عند 37%، كما كان متوقعًا، ليحافظ عليه دون تغيير للاجتماع الخامس على التوالي. واعتبر كثيرون القرار آخر توقف قبل بدء دورة تيسير نقدي في وقت لاحق من العام.
وفي السياق نفسه، توقع بنك «جيه بي مورغان» أن تشير بيانات سبتمبر إلى تباطؤ الاتجاه الأساسي للتضخم، بما يمهد الطريق أمام خفض أسعار الفائدة في اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في أكتوبر الحالي.
وأظهرت بيانات رسمية تركية، الاثنين، تراجع معدل التضخم السنوي خلال سبتمبر الماضي إلى 29.73%، مقارنة بـ31.51% في أغسطس، لينخفض بذلك إلى أقل من 30% للمرة الأولى منذ نوفمبر 2021.
ووفق بيانات هيئة الإحصاء التركية، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1.84% على أساس شهري خلال سبتمبر، فيما زاد مؤشر أسعار المنتجين المحليين بنسبة 2.07%.
وبحسب البيانات، بلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين عند احتساب متوسطات الأشهر الـ12 الماضية 31.49%، بينما وصل معدل التضخم في أسعار المنتجين المحليين إلى 27.81%.
ويأتي انخفاض التضخم السنوي في تركيا إلى ما دون 30% ضمن مسار تراجع بدأ بعد بلوغ معدلات مرتفعة خلال السنوات الماضية، فيما تواصل السلطات التركية متابعة تطورات الأسعار في إطار سياساتها الرامية إلى خفض التضخم وتعزيز استقرار الاقتصاد.
وفي وقت يواصل فيه البنك المركزي التركي سياسة نقدية مشددة لكبح التضخم، تظل السيولة وظروف التمويل من العوامل المؤثرة في مسار الأسعار وسعر صرف الليرة.
واتخذ البنك، بقيادة المحافظ فاتح قره خان، إجراءات لدعم السيولة، من بينها خطوات لتعزيز إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تخفيف بعض قواعد متطلبات الاحتياطي بالليرة.
ورغم أن تشدد السيولة قد يسهم في الحد من الضغوط التضخمية عبر كبح الطلب المحلي، فإن البنك المركزي يولي اهتماماً أيضاً بتأثيرات هذه السياسة على الثقة بالليرة.
وبحسب سيلفا بهار بازيكي من «بلومبرغ إيكونوميكس»، فإن أي زيادة في الطلب المحلي على العملات الأجنبية قد تفرض ضغوطاً إضافية على الاحتياطيات وسعر الصرف، بما قد ينعكس مجدداً على التضخم ويحد من قدرة البنك المركزي على تسريع وتيرة خفض الفائدة.
ويرى الباحث الاقتصادي التركي في مؤسسة «ستا» للدراسات، دينيز استقبال، في حديث مع «إرم بزنس»، أن تراجع التضخم إلى أدنى مستوى له خلال السنوات الخمس الماضية يمثل خطوة إيجابية، لكن بلوغه مستوى يقارب 30% يشير إلى أن معركة التضخم لا تزال مستمرة.
وأوضح استقبال أن الأزمة العالمية في أسعار الطاقة والغذاء تؤثر سلبًا في مسار خفض التضخم، مشيرًا إلى أنه كان من الممكن أن ينخفض التضخم إلى نحو 20%، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة حال دون ذلك، في إشارة إلى تداعيات حرب إيران، ومن قبلها الحرب الروسية الأوكرانية.
وقال إن تركيا ستواصل مكافحة التضخم، فيما ستُحدد سياسة أسعار الفائدة بما يتماشى مع معدل التضخم البالغ 29%، مع السعي إلى تحقيق التطبيع الاقتصادي بصورة تدريجية وعلى مدى زمني ممتد، مضيفاً أن البلاد قد تشهد مزيداً من خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
من جانبه، يشير الخبير المصرفي أمجد نصر، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن تراجع التضخم إلى 29.73% يعكس نجاح سياسة المركزي التركي في التشدد النقدي، لكنه لا يعني أن المعركة مع التضخم انتهت.
وأوضح أن انخفاض التضخم السنوي من 31.51% في أغسطس إلى 29.73% في سبتمبر، وللشهر الرابع على التوالي، يشير إلى أن التشدد النقدي بدأ ينعكس على الطلب المحلي وسلوك التسعير والتوقعات.
وأضاف أن البنك المركزي التركي نفسه يؤكد أن ضعف الطلب المحلي أصبح أكثر وضوحاً، وأن الاتجاه الأساسي للتضخم يتراجع.
لكن نصر يرى أن استدامة هذا المسار تحتاج إلى عدة أشهر من الانخفاض المتواصل، لأن التضخم الشهري لا يزال مرتفعاً عند 1.84%، ولذلك فإن تركيا أمام مرحلة ترسيخ لمسار خفض التضخم، وليس إعلاناً عن انتهاء التضخم المرتفع.
وحول أبرز العقبات أمام استمرار خفض التضخم، يرى نصر أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن الضغوط السعرية لم تعد متساوية بين جميع القطاعات. فالتضخم السنوي في السكن يقارب 40%، بينما يبلغ في النقل 35.1%، في حين لا يزال التضخم في الخدمات وبعض البنود المرتبطة بالإيجارات والأجور أكثر مقاومة للتراجع.
وخلال سبتمبر، ارتفعت أسعار النقل بنسبة 2.79% شهرياً، فيما زادت أسعار السكن والمياه والطاقة والوقود بنسبة 2.71%.
ويرى نصر أن هناك أيضاً عاملاً خارجياً مهماً يتمثل في أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن البنك المركزي يعتبر ارتفاع أسعار الطاقة أحد أبرز مخاطر الاتجاه الصعودي للتضخم.
وبالتالي، فإن التحدي بالنسبة للسياسة النقدية لم يعد يقتصر على خفض التضخم العام، وإنما يمتد إلى كسر التضخم المتأصل في الخدمات والإيجارات، وتحسين توقعات الأسعار، مع تجنب صدمات جديدة في الطاقة أو سعر الصرف، وفق نصر.
وعن احتمال خفض الفائدة، أكد نصر أن المجال أصبح أوسع، لكن القرار ليس تلقائياً، موضحاً أن البنك المركزي أبقى سعر الفائدة عند 37% في سبتمبر، وأكد أنه سيتخذ قراراته اجتماعاً باجتماع، بناءً على التضخم الفعلي والمتوقع واتجاهه الأساسي.
ومع وصول التضخم إلى 29.73%، أصبح هناك هامش حقيقي للفائدة الحقيقية يسمح بخفض تدريجي إذا استمر مسار التضخم في التحسن. إلا أن نصر أكد أن البنك سيحتاج إلى التأكد من أن هذا الانخفاض ليس مؤقتاً، خصوصاً مع استمرار ضغوط السكن والنقل والطاقة.
واللافت أن توقعات البنك المركزي نفسها تفترض استمرار التشدد النقدي، مع توقع تضخم نهاية 2026 عند 28%، ثم 15% بنهاية 2027، وفق نصر.
واعتبر نصر أن النزول بالتضخم إلى ما دون 30% يمثل إشارة إيجابية ومهمة، لأنه يؤكد أن سياسة التشدد النقدي بدأت تؤتي ثمارها، لكنه شدد على ضرورة عدم الخلط بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار.
وأوضح أن الأسعار ما زالت ترتفع، وإن كان بوتيرة أبطأ، ولذلك يرى أن البنك المركزي أصبح أمام مساحة أكبر لخفض الفائدة، لكن بشكل تدريجي ومدروس، وليس سريعاً، إلى أن يتأكد من أن التضخم الأساسي وتضخم الخدمات والإيجارات يتحركان في الاتجاه نفسه.
وفي هذا الإطار، يتوقع «جيه بي مورغان» أن يخفض البنك المركزي التركي الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في اجتماع 22 أكتوبر، ثم 100 نقطة أساس أخرى في ديسمبر، ليصل سعر الفائدة الرئيسي إلى 35% بنهاية العام.
وبينما يفتح تراجع التضخم إلى ما دون 30% الباب أمام مزيد من التيسير النقدي، فإن استمرار الضغوط في قطاعات السكن والخدمات والطاقة، إلى جانب مخاطر سعر الصرف والتوترات الجيوسياسية، يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة البنك المركزي التركي على الموازنة بين خفض الفائدة والحفاظ على مسار هبوط التضخم.
فهل يمثل النزول دون حاجز 30% بداية مرحلة جديدة من استقرار الأسعار في تركيا، أم أن الضغوط المتبقية ستفرض على البنك المركزي الإبقاء على سياسته النقدية المشددة لفترة أطول؟