الديون المتفاقمة عدوى تنتشر
خطر التقلب يحيط بالأسواق

ارتفعت عوائد السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات الكبرى خلال التعاملات المبكرة اليوم الثلاثاء، مع استمرار الضغوط الناتجة عن التضخم المرتفع وتقلب توقعات أسعار الفائدة وتصاعد مخاطر الدين السيادي.
وتواجه الأسواق في الوقت نفسه ضغوطاً مالية متزامنة من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، بينما أضافت التوترات السياسية والجيوسياسية طبقة جديدة من المخاطر إلى تكلفة تمويل الحكومات طويلة الأجل.
تأتي التحركات بعد موجة بيع دفعت عوائد سندات أميركية وبريطانية ويابانية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، بالتزامن مع اتساع فروق العائد داخل منطقة اليورو وعودة المخاوف بشأن استدامة الديون.
كتب محللو «يو بي إس» في مذكرة أن عوائد السندات الحكومية وصلت إلى مستويات مرتفعة تاريخيا، بينما أدت بيانات الوظائف الأميركية الأضعف إلى تقليص توقعات رفع الفائدة في أكتوبر دون أن تنهي ضغوط البيع في الآجال الطويلة.
أشار محللو البنك السويسري إلى أن استمرار التضخم وقوة بعض مؤشرات النشاط يجعلان أسواق الدخل الثابت عرضة لمزيد من التباعد بين الآجال، مع بقاء السندات جذابة انتقائياً عند المستويات الحالية.
وقال محللو «دويتشه بنك» إن الاحتياطي الفيدرالي قد يرفع الفائدة مرتين إضافيتين بمقدار 25 نقطة أساس، في ديسمبر ثم مارس، مع احتمال تقديم الخطوة إذا استمر التضخم أو عادت قوة سوق العمل.
أوضح محللون لدى «جيه بي مورغان» أن الارتفاع الكبير في العوائد طويلة الأجل لا يرتبط فقط بمسار الاحتياطي الفيدرالي، بل يعكس أيضاً علاوة أكبر يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالدين الأميركي لفترات طويلة.
قال محللو «جيه بي مورغان» في مذكرة إن اتساع احتياجات الاقتراض وارتفاع حجم الإصدارات يزيدان حساسية السوق تجاه التضخم والسياسة المالية، خصوصاً مع بقاء العوائد الحقيقية عند مستويات مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة.
ويعتبر محللو «فانغارد» أن المستويات المرتفعة للعوائد أعادت للسندات الحكومية جاذبيتها النسبية مقابل الأسهم، لكنهم يرون أن التقلب سيظل مرتفعاً طالما بقي التضخم والدين العام عاملين رئيسيين في التسعير.
قال محللو «كي بي سي» أن موجة البيع في فرنسا أظهرت انتقالا واضحا للضغوط إلى أسواق مثل إيطاليا وبلجيكا؛ ما يعكس اتساع نطاق المخاوف من مجرد مشكلة فرنسية إلى قضية أوروبية أوسع.
واعتبر محللو البنك أن ارتفاع الفروق بين السندات الحكومية داخل منطقة اليورو قد يختبر قدرة البنك المركزي الأوروبي على إبقاء انتقال السياسة النقدية متوازناً بين الدول الأعضاء.
كما قال محللو «آي إن جي» أن اتساع الفروق الائتمانية قد يستمر إذا فشلت الحكومات في إقناع المستثمرين بمسارات مالية أكثر انضباطًا، خصوصاً مع عودة التضخم الأوروبي إلى مستويات أعلى من الهدف.
كتب محللو «بلاك روك» في مذكرة إن التباين بين أسواق الدين الأوروبية مرشح للاستمرار، مع تفضيل المستثمرين السندات الأعلى جودة والاقتصادات ذات المراكز المالية الأكثر استقراراً.
أضاف محللو شركة الاستثمار التابعة لأكبر مدير أصول في العالم أن ارتفاع الفائدة يزيد الفروق بين الاقتصادات والأوراق المالية؛ ما يخلق فرصاً انتقائية لكنه يرفع في الوقت نفسه مخاطر المراكز الطويلة غير المحوطة.
تابع المحللون: «الإقبال على السندات الألمانية يعكس رغبة المستثمرين في تقليل مخاطر فرنسا وإيطاليا، مع إعادة تقييم قدرة بعض الحكومات على احتواء العجز والدين».
قال محللو «نومورا بنك» إن صعود العوائد المحلية يعكس انتقال اليابان تدريجياً من عصر الفائدة شديدة الانخفاض إلى بيئة تتطلب علاوة أعلى لتمويل الدين الحكومي طويل الأجل.
أشار محللو «نومورا» إلى تحذير مسؤولين في بنك اليابان من أن استمرار التحفيز المالي في ظل تضخم مرتفع قد يدفع العوائد إلى مزيد من الارتفاع، ويجبر البنك المركزي على مواصلة التشديد بصورة أسرع من المتوقع.
وكتب محللو «نومورا بنك» في مذكرة أن تراجع مشتريات بنك اليابان للسندات يزيل أحد أكبر مصادر الدعم التاريخية للأسعار، في وقت ترتفع فيه احتياجات الاقتراض الحكومي وتكاليف خدمة الدين.
يرى كبير الإستراتيجيين لدى «ستاندرد تشارترد»، راجات بهاتاشاريا، أن السوق بالَغ في تسعير التشدد النقدي الأميركي، متوقعاً تراجع الضغوط التضخمية مع انحسار تأثير النفط والرسوم الجمركية.
ويتوقع البنك في السيناريو الأساسي خاصته تراجع عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات باتجاه 4.5%، وهو ما قد يمنح المستثمرين مكاسب رأسمالية قوية إذا بدأت دورة الهبوط في العوائد.
لكن «ستاندرد تشارترد» يرى أن استمرار العائد باتجاه 5.6% سيزيد الضغوط على أسعار الأصول؛ ما يجعل مسار التضخم والسياسة المالية عاملين حاسمين لتحديد ما إذا كانت المستويات الحالية فرصة أم بداية موجة بيع جديدة؟.
قال «يو بي إس» أن الدخل الثابت أصبح أكثر جاذبية بعد الارتفاع الكبير في العوائد، لكنه يفضل إدارة مدة الاستحقاق بحذر بسبب استمرار عدم اليقين بشأن الفائدة والتضخم والسياسات المالية.
يعتبر «بلاك روك» أن مرحلة العوائد المنخفضة والمستقرة انتهت لصالح بيئة تتطلب تمييزاً أكبر بين الدول والآجال، مع تزايد تأثير الدين العام والتضخم والمخاطر السياسية في تسعير السندات.