العملة الأوروبية تهبط إلى قاع 17 شهراً
بيانات ضعيفة والتضخم يعمقان الأزمة

انخفض اليورو في التعاملات المبكرة اليوم الثلاثاء، مقترباً من أدنى مستوى في 17 شهراً، تحت ضغط الغموض السياسي والمخاوف المالية المتصاعدة في عدد من أكبر اقتصادات منطقة اليورو.
وتتزامن الضغوط على العملة الأوروبية مع ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسية واتساع القلق بشأن انتقال التوتر إلى أسواق الدين الأوسع، في وقت تزيد الانتخابات المبكرة في إسبانيا حالة عدم اليقين.
يضع هذا المزيج البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ يظل التضخم المرتفع داعماً للتشديد، بينما يؤدي صعود العوائد إلى زيادة القيود المفروضة بالفعل على الأوضاع المالية.
تتركز الضغوط في فرنسا بعد اتساع الفارق بين عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية إلى مستويات تقترب من الأوسع منذ أزمة ديون منطقة اليورو، في وقت تواجه الحكومة صعوبة في تمرير مسار مالي قادر على خفض العجز والدين.
ويستهدف مشروع موازنة 2027 تقليص العجز الفرنسي من 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%، لكن محللي «إم يو إف جي» يرون أن مسار التصحيح المالي يواجه عقبات سياسية واقتصادية كبيرة مع برلمان منقسم وتباطؤ للنمو وارتفاع لتكاليف التمويل.
يرى محللو البنك أن اتساع فارق العائد الفرنسي يعكس مخاطر مالية وسياسية واضحة أكثر من كونه خللاً فنياً في السوق؛ ما يرفع الحاجز أمام تدخل مباشر من البنك المركزي الأوروبي عبر أدوات حماية انتقال السياسة النقدية.
امتدت الضغوط من الديون الفرنسية إلى سندات اقتصادات أخرى في منطقة اليورو، بالتزامن مع ارتفاع العوائد وتزايد لجوء المستثمرين إلى الأصول الأوروبية الأكثر أمانًا، وعلى رأسها السندات الألمانية.
ويقدر محللو العملات لدى «بنك أوف أميركا» أن كل اتساع إضافي بمقدار 10 نقاط أساس في فارق العائد بين فرنسا وألمانيا قد يتزامن، خلال فترات التوتر الحاد، مع تراجع يقارب 0.4% في زوج اليورو مقابل الدولار.
كما يرى محللو «غولدمان ساكس» أن فروق العائد تصبح أكثر تأثيراً في العملة عندما تهبط عوائد السندات الألمانية باعتبارها ملاذاً آمناً، بينما ترتفع تكاليف التمويل في الاقتصادات الأخرى داخل الكتلة.
أضافت إسبانيا طبقة جديدة من المخاطر بعدما دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر، عقب تعثر الحكومة الأقلية في تمرير إجراءات رئيسية داخل البرلمان.
تأتي الانتخابات قبل ثمانية أشهر من الموعد المقرر، في وقت تواجه فيه الحكومة خلافات داخلية بشأن الإسكان والإنفاق؛ ما يوسع قائمة الملفات السياسية التي يتعين على المستثمرين تسعيرها في الأصول الأوروبية.
ورغم بقاء فارق العائد الإسباني مقابل ألمانيا أقل كثيراً من نظيره الفرنسي، فإن اجتماع توترات باريس ومدريد يعزز المخاوف من اتساع التباين السياسي والمالي داخل منطقة اليورو.
رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.50%، بعدما دفعت صدمة الطاقة التضخم إلى مستويات أعلى من المستهدف وأبقت مخاطر انتقال الأسعار قائمة.
لكن ارتفاع عوائد السندات وتشديد الأوضاع المالية يضيفان شكلًا آخر من التشديد لا يحتاج إلى قرار رسمي؛ ما دفع عدداً من المؤسسات إلى تقليص توقعاتها لسرعة الزيادات المقبلة رغم استمرار التضخم فوق هدف 2%.
ويرى محللو «يو بي إس» أن المركزي سيرفع الفائدة 25 نقطة أساس في ديسمبر بدلًا من دورة تشديد ممتدة، مستندين إلى احتواء التضخم الأساسي نسبياً وإلى أن صعود العوائد يؤدي بالفعل جزءاً من مهمة تقييد الطلب.
يتبنى محللو «إم يو إف جي» مساراً أكثر تشدداً، إذ يتوقعون رفع الفائدة مرتين إضافيتين لتصل إلى 3% بحلول الربع الأول من 2027، مع بقاء أسعار الطاقة مرتفعة واستمرار قدرة الاقتصاد الأوروبي على تحمل مزيد من التشديد.
لكن البنك نفسه يرى أن فرصة رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر تراجعت مع انخفاض أسعار الغاز وارتفاع تكاليف التمويل، معتبراً أن استمرار هدوء ضغوط الأسعار المحلية قد يدفع صناع السياسة إلى الانتظار قبل التحرك التالي.
ويرى محللو «آي إن جي» أن اضطراب أسواق السندات قد يفتح الباب أمام إعادة تسعير أكثر ميلا للتريث، خصوصا في ظل غياب إشارات قوية حتى الآن إلى انتقال صدمة الطاقة إلى موجة تضخم واسعة من الجولة الثانية.
قال المحلل الاقتصادي لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا»، جوزيف كابورسو، إن البنك يتبنى رؤية متشائمة تجاه اليورو، ويتوقع إمكانية هبوط العملة الأوروبية إلى ما دون 1.10 دولار إذا استمرت الضغوط الحالية.
وأضاف كابورسو أن عودة اليورو إلى مسار أقوى تحتاج إلى انخفاض كبير في أسعار النفط، أو ارتفاع واضح في توقعات تشديد السياسة النقدية الأوروبية، إلى جانب تحرك أكثر جدية للحد من عجز الموازنات.
وخفض محللو «إم يو إف جي» توقعاتهم لليورو بصورة حادة، ويتوقعون وصول زوج اليورو مقابل الدولار إلى 1.12 بنهاية الربع الرابع من 2026، مقارنة بتوقع سابق عند 1.18، قبل تعافٍ تدريجي خلال 2027.
اعتبر «إم يو إف جي» أن انحسار المخاطر السياسية وتراجع العوائد الأميركية لاحقاً قد يسمحان باستعادة جزء من خسائر العملة، بينما تبقى المخاطر المالية الأوروبية عاملاً ضاغطاً على المسار في المدى القريب.
أشار محللو «بنك أوف أميركا» إلى أن استمرار اتساع فروق العائد داخل منطقة اليورو قد يزيد حساسية العملة تجاه سوق السندات، خصوصاً إذا واصل المستثمرون تفضيل الدين الألماني على ديون الاقتصادات الأعلى مخاطرة.
ورأى محللو «غولدمان ساكس» أن تباعد تكاليف الاقتراض داخل الكتلة قد يتحول إلى عامل أكثر تأثيرا على اليورو إذا استمر بالتزامن مع ضعف النمو وزيادة الطلب على السندات الألمانية باعتبارها ملاذاً آمناً.
كذلك يتوقع محللو «آي إن جي» أن يظل مسار اليورو مرتبطًا بتوازن صعب بين تشدد البنك المركزي الأوروبي من جهة، وتأثير ارتفاع تكاليف التمويل والمخاطر السياسية والمالية على النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.
ويعتبر «إم يو إف جي» أن فرنسا وإسبانيا وأسعار الطاقة ستظل من أبرز العوامل المحددة لتوقعات العملة خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع إعادة تسعير المستثمرين لمسار الفائدة الأوروبية خلال الاجتماعات القادمة.