
تفتح قواعد المنتج الحلال الجديدة في أسواق آسيوية كبيرة فرصاً أوسع أمام المنتجات التونسية، في وقت تتحول فيه الشهادة من علامة مرتبطة بالأغذية أساساً إلى أداة امتثال تشمل قائمة متزايدة من السلع، من المكونات الغذائية والزيوت إلى مستحضرات التجميل.
يأتي هذا التحول مع اتساع عدد الشركات التونسية العاملة ضمن منظومة الحلال إلى نحو 40 شركة، مقابل نحو 20 في 2023، بالتوازي مع تحركات لتوسيع الاعتراف بجهات إصدار الشهادات التونسية في الأسواق الخارجية، بما يمنح الشركات المعتمدة نطاقاً أكبر للاستفادة من الشهادة عند التصدير.
ولا ترتبط القيمة الاقتصادية لهذا المسار فقط ببيع منتجات تحمل علامة «حلال»، بل بتسهيل دخول أسواق جديدة أمام شركات تمتلك بالفعل قدرة على التصدير. فكل اعتراف خارجي بالشهادة التونسية يقلل حاجة المصدر إلى إعادة إجراءات الاعتماد في الدولة المستوردة، ويختصر جزءاً من الطريق التنظيمي بين المصنع والسوق.
ويظهر هذا البعد بوضوح في إندونيسيا، حيث تتوسع متطلبات شهادات الحلال للسلع المتداولة في السوق، بما في ذلك المنتجات المستوردة، بينما تعمل جاكرتا بالتوازي على توسيع الاعتراف بجهات الاعتماد الأجنبية لتسهيل حركة التجارة.
في سبتمبر الماضي، وقعت «الهيئة الإندونيسية لضمان المنتجات الحلال» (BPJPH) اتفاق اعتراف متبادل مع «مركز علوم وإصدار شهادات الحلال» (HSCC) التونسي، ضمن مجموعة اتفاقات أبرمتها مع جهات أجنبية خلال فعاليات قمة «حلال 20» (H20) في جاكرتا.
وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة السوق الإندونيسي نفسه. فإندونيسيا، التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، تمضي في توسيع نظام إلزامية شهادات الحلال ليشمل فئات من الأغذية والمشروبات والمواد الداخلة في تصنيعها، إلى جانب منتجات أخرى وفق مراحل التطبيق المحددة.
ومع دخول المنتجات المستوردة ضمن هذه المنظومة، تصبح قدرة الشركات الأجنبية على تقديم شهادة مقبولة لدى السلطات الإندونيسية جزءاً من عملية النفاذ إلى السوق.
ولا يقتصر نطاق الاستفادة على اللحوم أو الأغذية التي يرتبط بها مفهوم الحلال تقليدياً؛ إذ يمتد إلى مكونات التصنيع والمواد المضافة ومستحضرات التجميل وغيرها من المنتجات التي تخضع مكوناتها وطرق تصنيعها لمتطلبات المطابقة.
وهذا الاتساع هو ما يرفع القيمة المحتملة للاعتماد بالنسبة إلى تونس، إذ يوسع عدد القطاعات التي تستطيع استخدام الشهادة ضمن خططها التصديرية بدلاً من حصرها في المنتجات الغذائية التقليدية.
لا تبدأ الشركات التونسية من نقطة الصفر في جنوب شرق آسيا. ففي 2024، صدرت البلاد تموراً بقيمة تجاوزت 307 ملايين دولار إلى العالم، وظهرت ماليزيا وإندونيسيا بين الأسواق المهمة للمنتج التونسي.
وبلغت مشتريات ماليزيا من التمور التونسية نحو 14.1 مليون دولار خلال العام نفسه، لتحتل تونس صدارة موردي التمور إلى السوق الماليزية.
وفي إندونيسيا، سجلت الصادرات التونسية من التمور نحو 12.3 مليون دولار في 2024، ما يوفر قاعدة تجارية قائمة يمكن البناء عليها مع تطور متطلبات الحلال في السوق.
تمنح هذه الأرقام التوسع في الاعتراف بالشهادات بعداً يتجاوز البحث عن مشترين جدد؛ فوجود طلب فعلي على منتج تونسي يعني أن منظومة الاعتماد تستطيع المساعدة في الحفاظ على سهولة وصوله إلى المستهلك، وفي الوقت نفسه تهيئة الطريق أمام منتجات أخرى للاستفادة من قنوات التجارة التي بنتها تونس بالفعل في المنطقة.
كما يأتي زيت الزيتون في مقدمة المنتجات التي يمكن أن تستفيد من توسيع دائرة الأسواق، بالنظر إلى وزنه في التجارة الخارجية التونسية. وتجاوزت عائدات صادراته 4 مليارات دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من موسم 2025-2026، ما يجعل إضافة وجهات جديدة إلى خريطته التصديرية ذات قيمة للقطاع حتى إذا بدأ الحضور فيها بأحجام محدودة.
لا تصنع شهادة الحلال الطلب بمفردها، لكنها تمنح الشركات أداة للتعامل مع متطلبات المستوردين والأسواق التي تشترط اعتماداً مقبولاً أو تمنحه وزناً عند إدخال المنتجات إلى قنوات البيع.
وتمتد الفرصة إلى ما هو أبعد من الزيت والتمور، فالأغذية المصنعة والمعكرونة والمكونات الغذائية والدهون النباتية والحلويات ومستحضرات التجميل تندرج ضمن قطاعات يمكن أن تستفيد من اتساع نطاق الاعتراف، خصوصاً عندما تخضع المكونات أو عملية الإنتاج لمتطلبات إثبات المطابقة.
وتكتسب مستحضرات التجميل أهمية خاصة في هذا الاتجاه، لأنها توسع مفهوم السوق أمام الشركات التونسية خارج الغذاء، مع امتداد قواعد الحلال في عدد من الأسواق إلى مصادر المكونات وطرق التصنيع المستخدمة في منتجات العناية الشخصية والتجميل.
ويتزامن توسيع الاعتراف الخارجي مع العمل على تخفيف كلفة دخول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى المنظومة، بعدما شهد «المنتدى الدولي الأول للحلال» في تونس الإعلان عن آليات لمساعدتها على تطوير منتجاتها والحصول على الاعتماد.
وتشمل عملية منح الشهادة مراجعة المكونات وعمليات الإنتاج ونظام الجودة، إلى جانب التدقيق والاختبارات وفق طبيعة المنتج، ما يجعلها استثماراً في الامتثال يمكن أن ترتفع جدواه كلما زاد عدد الأسواق التي تعترف بالجهة المصدرة للشهادة.
وتظهر هنا أهمية توسيع الاعتراف الدولي؛ فبدلاً من ارتباط كلفة الاعتماد بوجهة واحدة، تستطيع الشركة الاستفادة منه عبر أكثر من سوق، وهو ما يزيد القيمة الاقتصادية المحتملة للشهادة بالنسبة إلى الشركات التي تخطط للتوسع الخارجي.
لا يقتصر هذا المسار على جنوب شرق آسيا. فـ«مركز علوم وإصدار شهادات الحلال» التونسي مدرج ضمن جهات إصدار شهادات الحلال المسجلة لدى وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات، ما يمنح الشركات التي تستخدم شهاداته مساراً معترفاً به للتعامل مع متطلبات السوق الإماراتي.
كما تتحرك تونس باتجاه توسيع التعاون في مجال الحلال مع السعودية، بما يشمل العمل على الاعتراف بالشهادات وتسهيل حركة المنتجات بين الأسواق.
ويعني تعدد وجهات الاعتراف أن القيمة المحتملة للشهادة لا تقاس بسوق واحد. فالشركة التونسية التي تستثمر في مطابقة منتجها لمتطلبات الحلال يمكن أن تستفيد من هذا الاستثمار في شبكة أكبر من الوجهات كلما توسعت اتفاقات الاعتراف.
ومن هنا، لا يقوم الرهان على إنشاء صناعة منفصلة تحمل اسم «اقتصاد الحلال»، بقدر ما يقوم على إضافة أداة تصديرية إلى منتجات تمتلك تونس بالفعل قدرة على إنتاجها وتسويقها خارجياً.
فالتمور بنت حضوراً واضحاً في ماليزيا وإندونيسيا، وزيت الزيتون يمتلك قاعدة تصديرية عالمية كبيرة، فيما تفتح الأغذية المصنعة ومستحضرات التجميل مساحة إضافية أمام الشركات.
ومع اتساع الاعتراف بالشهادات التونسية، تتحول قيمة «حلال» من العلامة الموضوعة على المنتج إلى عدد الأسواق التي يستطيع الوصول إليها، ما يمنح الشركات التونسية المعتمدة مساحة أوسع لتحويل الامتثال إلى صادرات فعلية.